المناص وامتداد السرد سيمياء الشخصية في رواية "عائلة من فخار" (مسار المتقاعد صاحب الخيزرانة ) لمحمد مفلاح

     الكتابة السردية تشتغل على اللغة انتقاء وتركيباً، لإنتاج الدلالة ، وتحقيق الأبعاد السيميائية , بالخرق للمألوف.لنظام اللغة، سننها ، ومنطقها المشكل للبنياتها في أبعادها السيميوتركيبية الموجهة للمعنى والدلالة في بنية النص السردي الروائي. ولغة السرد كلما ابتعدت عن الحقيقة  والنظام ، إن على مستوى منطق الفكر ، أو على مستوى التعبير اللغوي– الانتقاء والتركيب– حققت للخطاب السردي فرادته الفنية في تشكيل النص الروائي، ووقعه الجمالي .

أين تتضافر تقنية الخطاب، ونظام النص ، وحمولته التعبيرية والفكرية ، وضبابية التخييل ، وشعرية اللغة في خلق جو آسر للمتلقي ، يجعله يندفع مستسلماً لمتابعة هذا الفضاء السردي ، دون مقاومة طرح السؤال . وهنا لحظة المكاشفة     و الاستلاب . فيحدث الأسر، ويتم التجاوب الوجداني ، حيث تنبجس عن هذه اللحظة متعة الاستلاب أو النفور، فيبصم القارئ بحمولة النص الأدبي الوجدانية والفكرية. وهنا يكمن سر الخطاب السردي في خلق بؤرة التجاوب الجمالي الوجداني..        

     تحاول هذه المقاربة  البحث في أسماء  الشخصيات الروائية الأساس في هذا النص السردي "عائلة من فخار" (مسار المتقاعد صاحب الخيزرانة ) لمحمد مفلاح  الطبعة الأولى 2008 دار الغرب. بالتركيز على الأسماء المحورية لكشف المسكوت عنه،المتواري خلف الأحداث، لملامسة كيف قال النص قوله هذا . ولأن الشخصيات الروائية ما هي إلا علامات ،تحتاج إلى تفسير  وتأويل للوقوف على تقنية الحطاب السردي، والتعرف  على مقصديات النص من خلال ما ينكشف للدارس من أبعاد سيميائية الشخصيات الموظفة في هذا الفضاء السردي – البعد الحقيقي ، والمجازي  والثقافي –  فقمت بفحص دلالة الأسماء في علاقتها  بالتقنية السردية المتبعة في  هذا النص ...

     يشكل الاسم إحدى السمات المميزة للشخصية الروائية، ففي كثير من الأحيان تلخص لنا بعض الأسماء بإيجاز حقيقة الشخصية وتعطينا لمحة عنها، إذ أنه من المعلوم أن أي روائي لا يسمي شخصياته عبثا أو اعتباطا، بل يعمل على إيجاد أسماء تدل عليها ، وتكون بمثابة المعادل الموضوعي لها . فبناء الشخصية لا يقوم على جانب واحد فقط، فيلجأ الروائي إلى التنسيق بين عدة أبعاد ، لبناء الشخصية. ولعل ما يسترعي انتباه أي دارس هو الاسم الذي تحمله الشخصية، لأنه يعيّنها ويمنحها كيانا محددا . وإنه لمن البديهي أن الاسم الذي يحمله الشخص الواقعي ، يختلف كثيرا عن الذي تحمله الشخصية الروائية . فالأول يخضع لمنطق الصدفة واللاتعليل في كثير من الأحيان، في حين أن الروائي يبذل مجهودا لانتقاء أسماء تدل على شخصياته، مراعيا جملة من المعطيات من بينها: البيئة، المستوى الاجتماعي، والثقافي، العمر، الجنس، المهنة، الاتجاه الأيديولوجي .....إلخ. وبخاصة إذا علمنا أن هناك كنى معينة تلحق الأسماء الأصلية للشخصيات تعطينا بعض المعلومات الموجزة عنها،كقولنا خروفة ولد الفخار ، سارة المراجي ،جيلالي العيار رمضان لقبايلي  ،أحمد الخياط....

     لقد أولت البحوث السيميائية اهتماما بالغا بدراسة مقولة "الشخصية الروائية، التي تعد ركيزة العمل الروائي ، والعنصر الهام الذي يضمن حركية النظام العلائقي داخل النص السردي , وقد تعددت الدراسات التي تناولت هذه المقولة , وتباينت مواقف النقاد  بخصوص بنيتـها و فعاليتها في الخطاب السردي.                                                               

     إن مفهوم الشخصية في النصوص السردية يرتبط من الناحية التاريخية بنظرية المحاكاة الأرسطية التي تجعل النص الأدبي عملية محاكاة للواقع الإنساني، ومن ثم فإن الشخصيات الروائية امتداد للشخصيات الواقعية، وهذا ما يمكن تسميته ب: "مبدأ التكافؤ الدلالي المطلق بين العالم النصي والواقع الخارجي"1 . وهذا ما ترفضه الدراسات السيميائية التي حددت هوية الشخصية من خلال أفعالها ، دون إغفال العلاقة بينها و بين الشخصيات الأخرى في العمل2؛ أي أن ما يميز نقد الشخصية هنا ، هو الانتقال من داخل الشخصية إلى خارجها, و ذلك بالنظر إلى الأدوار التي تقوم بها ، و الاستعمالات المختلفة التي تكون موضوعا لها . من هنا بدأت الشخصية بمفهومها الكلاسيكي تتلاشى تدريجياً3.

    و عدّ الشكلانيون الروس الشخصية دعامة أساسا للتحفيز في العمل القصصي, و وسموا الحوافز التي ترتبط بالشخصية ارتباطا وثيقا ب"مميزات"(caractéristique), و هي تحدد نفسية الشخصية و مزاجها4.  ويعود الفضل في تفصيل الكلام عن الوظائف إلى فلاديمير بروب ، حيث قلل في كتابه "مورفولوجيا الحكاية" من أهمية الشخصية وأوصافها . ورأى أن الأساس هو الدور الذي تقوم به . يقول:" إن ما هو مهم في دراسة الحكاية هو التساؤل عما تقوم به الشخصيات ، أما من فعل هذا الشيء أو ذاك، وكيف فعله فهي أسئلة لا يمكن طرحها إلا باعتبارها توابع لا غير "5.                                                                                             

     ثم قدم  إتيان سوريو(Etienne Souriau)  النموذج العاملي  انطلاقا من المسرح ، الذي يتكون من ست وحدات يسميها "وظائف درامية" وهي: البطل، والبطل المضاد، والموضوع، والمرسل، والمرسل إليه، والمساعد6.        

استنادا إلى هذين الإرثين المنهجيين السابقين, بنى غريماس نموذجه العاملي, القائم على ستة عوامل تنتظم وفق ثلاثة أصناف, يضم الأول عامل ذات أو فاعلا مقابل موضوع (Sujet/ objet), و الثاني مخبرا أو مرسلا مقابل مرسل إليه ( Destinateur / Destinataire ) , و الثالث مساعدا مقابل معارض(Adjuvant / Opposant)على أن هذه العوامل لا تأتلف إلا من خلال العلاقات التالية:       

علاقة الرغبة التي تجمع بين من يرغب "الذات" وما هو مرغوب فيه"الموضوع" ، علاقة التواصل التي تجمع بين موجِّه للذات "المرسل" وموجَّه إليه "المرسل إليه", علاقة الصراع التي ينتج عنها إما تحقيق العلاقتين السابقتين أو منع حصولهما . و يدخل ضمنهما عاملان يدعى أحدهما "المساعد" و الآخر "المعارض", يقف الأول إلى جانب الذات, بينما يعمل الثاني على عرقلتها.7   أما تزفتان تودوروف فيجرد الشخصية من محتواها الدلالي, و يتوقف عند وظيفتها النحوية, فيجعلها الفاعل في العبارة السردية ؛ ويعتبرها قضية لسانية , فهي مجرد كائن ورقي , ليس له وجود خارج الكلمات8

     تعزى الدراسة الجيدة للشخصية الروائية إلى فيليب هامون, الذي ترتكز مقترحاته كثيرا على المفهوم اللساني, في دراسته المتميزة حول القانون السيميولوجي للشخصية؛ باعتبارها قائمة على أساس نظرية واضحة تصفي حسابها مع التراث السابق ؛ و لا تتوسل بالنموذجين النفسي و الدرامي و غيرهما من النماذج المهيمنة9 . أين حاول هامون أن يستفيد من دراسات سابقيه, واعتبر مفهوم الشخصية مرتبطا أساسا بالوظيفة النحوية التي تقوم بها داخل النص10   فالشخصية  عنده بياض دلالي تسهم في بنائه الذات المستقبلة للنص ، هذا النص الذي لا ينحصر وجوده في معناه أو دلالته السطحية، وإنما هو يحيا ويتجدد . ومع كل قارئ يتشكل النص خلقا جديدا متميزا بدلالات جديدة، وهذا ما يجعل من الشخصية إشارة رامزة signes  قابلة للتحليل، والوصف. وهي الشعاع الرئيس للتوجه القيمي للقصة11 وقد صنف الشخصيات إلى ثلاث فئات هي: الشخصيات الإشارية, والشخصيات الاستذكارية, والشخصيات المرجعية , التي تضم الشخصيات التاريخية , والأسطورية, و المجازية, والاجتماعية12 .

1-فئة الشخصيات المرجعية: وتشمل الشخصيات التاريخية و الأسطورية، والمجازية والاجتماعية.

2-فئة الشخصيات الإشارية: وتكون ناطقة باسم المؤلف مثل الرواة وما شابههم.

3-فئة الشخصيات التكرارية (الاستذكارية)

انطلاق من مفاهيم  من  (فلاديمير بروب) نظام الوظائف و (غريماس) النظام العاملي .وتصنيف  (فيليب هامون)، للشخصية ستحاول هذه المقاربة الوقوف على بنية الشخصيات في "رواية عائلة من فخار " بإظهار الملامح  السيميائية للشخصيات الفاعلة في النص  وأثرها في امتداد السرد وهندسة الخطاب السردي .

بنية الشخصيات في الرواية:

     من نافلة القول الحديث عن دور الأدب في تشكيل الوجدان وصياغة المواقف،  لكن من الواجب أ ن نقول كلمة عن الفن الروائي الذي نشتغل عليه ، ولماذا نعنت أنفسنا في البحث في مركباته وتقنياته؟ إلى غير ذلك من الأسئلة الجوهرية التي يمكن أن نطرح . فالفن حياة ، لا شيء فيه  يكسب بشكل نهائي. والكتابة الروائية لا تهدف إلى الإعلام ، ولكنها اختراع دائم ومستمر للعالم ، والإنسان فيها موضوع على بساط البحث والمناقشة13 .

     فالحكي نظام لغوي ، يعكس من خلفه نظام ثقافة الأمة، وحضارتها  التي تبلورت في أحضانها ، وساهمت في انبثاقها في هذا الوجود. وهو تعبير لغوي فني ، معماريته تخبر عن معمارية العقل الكامن فيه ، وعن رهافة الذوق ودقته .كما تعكس رهافة ذوق الأمة التي ينتمي إليها الفنان ، ويُفصح عن أسرار الكاتب ، وألق المجتمع الذي يكتب له . من هذه الزاوية تتجلى قيمة العمل الروائي في إغناء التجربة الإنسانية، وتقديم بدائل تكشف المستور المتواري خلف الكلمات14

     يتشكل البناء الفني في رواية " عائلة من فخار" من عدة سمات  سردية . من أهمها الابتعاد عن أحادية الصوت حيث يترك المجال لظهور شخصيات متعددة ، وهو لذلك يمزج الواقع بالخيال محاولاً الإمساك بخيوط كثيرة لشخصيات واقعية ، يلبسها ثوب الخيال  بمحمولاتها الدلالية المعروفة ، ويهدف إلى إبراز عنصر الصراع بين رؤيتين لنوعين من الشخصيات:

النوع الأول:

     وهو الشخصيات المطحونة التي تمثل غالبية المواطنين ، التي تنتمي إلى عامة الناس .  وهي على الرغم من فقرها الشديد لا تستسلم ، وتسعى للتغيير ، والتمرد على الواقع ، مثل شخصية خروفة المرأة المثقفة التي تسعى إلى تغيير واقعها بالعلم والمعرفة التي تحصلت عليها ، هي مهندسة ... البطلة المرغوبة في صفتها  كأنثى ، المرفوضة بصفتها عالمة تبحث عن العمل .. فهي جسد يشتهى ، وهنا تنتهي وظيفتها في مجتمع ما بعد الانفتاح الاقتصادي والسياسي في صراعها بين رغبة والدتها في تزويجها بالانتهازي الجيلالي العيار ، تنكشف خيوط المؤامرة ، ويشتد الصراع ، ويتأزم الموقف الدرامي ، وتتباين الرؤى . ويبقى الحكي  مفتوحاً برحيل الأب واختفاء خروفة...

 النوع الثاني:

     وهي الشخصية التي تمتلك المال ، وتبحث عن النفوذ ، تسعى لخدمة مصالحها ، ولمزيد من الهيمنة على ما بيد الفقراء والمساكين .. محاولاً إذلالهم . فيتسلط على أهل البلدة ويستحوذ على مصنعها الوحيد ،مصنع المكيفات مستغلاً سياسة الانفتاح بطرق ميكيافيلية  . وتكون ضحيته  المعاندة خروفة ,  فيحاول انتهاك عرضها تلذذاً ونكاية في سكان البلدة الذين  لا يحبونه  الجلالي العيار ، رمز التسلط والاستغلال ، اسمه واضح الدلالة  ، هو لا يصلح لشيء ، إلا أنه أصبح يملك كل شيء  رغم ماضيه الأسود...  

     بالنظر إلى هيمنة هذين الصوتين، تتشكل داخل النص ملامح كل شخصية، باعتبارها علامة لها وجهان أحدهما دال (signifiant)  ، والآخر مدلول ( signifie )  . وهي تتميز عن الدليل اللغوي اللساني من حيث أنها ليست جاهزة  سلفاً، ولكنها تحول إلى دليل لحظة بنائها  عكس الدليل اللغوي الجاهز من قيل15 . وينداح الحكي ضمن أطر هاتين الرؤيتين، فتغدو الشخصية واسطة العقد بين جميع مشكلات النص ، حيث أنها هي التي تصطنع اللغة ، وهي التي تبث أو تستقيل الحوار ، وهي التي تصطنع المناجاة ، وهي التي تصف ،وهي محور الحدث16 ولصعوبة الإحاطة بكل الشخصيات ، والحديث عن إسهامها في صنع الدلالة ، سنقتصر على الشخصيات الرئيسة . شخصيات عائلة خروفة  في مقابل شخصية الجيلالي العيار      

     اهتم محمد مفلاح  بعرض شخصيات  النص الروائي ، وإبراز ملامحها ، واستغل  كل عناصر السرد لإضاءة  شخصياته المهيمنة  ، بإعطائها الحد الأقصى من البروز ، وفرض وجودها في جميع  الأوضاع باعتماده  تقنية السرد الآني – الحاضر- والسرد المتقدم  لكشف بعض الخفايا  أو عرض بعض المميزات . فتداخل الوصف بالسرد ، وساد التلخيص والوقف والحذف ...وقد اعتمد الكاتب في تصوير هذه الشخصية على طريقتين:

1-الوصف المادي: حيث أسقط على الشخصيات الكثير من الصفات الجميلة والذميمة حسب نوع الشخصية الموظفة إلى حد يجعل منها إحدى لوحات الطبيعة الجذابة في قبحها أو في صفائها 

2-النجوى الذاتية: استعان المؤلف في تقديمه للشخصية باعتماد تقنية النجوى الذاتية ، وهي وسيلة عمد إليها للغوص في داخل نفسية الشخصية لالتقاط ذبذباتها ، ورصد ما يعتلج داخلها من عواطف ، ومشاعر رافضة للواقع البائس الذي يضغط بصدره على أنفاس البائسين، وبذلك تتحول إلى رمز للكبرياء ، والتحدي وخاصة  المقاطع السردية التي يعرض فيها لشخصية خروفة...

     تعد رواية  " عائلة من فخار " من الأعمال الروائية الرائدة ، التي حاولت ملامسة مكامن الخلل في البنية  الاجتماعية  والاقتصادية  للمجتمع الجزائري  في مرحلة  ما بعد المحنة . بلغة  شفافة  ، وتقنيات  فنية  عالية ، وأثر جمالي أخاذ. أين  توارى السارد خلف شخصياته ، وبين أبعاد التحولات السياسة ، والاقتصادية في البنية الاجتماعية للمجتمع الجزائري في جو هادئ ، ورؤية ثاقبة بعيداً عن الصخب واللغط ، والصراع المكشوف بين مقومات العمل المتخيل ، والواقع الذي يجسده . هذا الواقع الذي طغى على الساحة الأدبية ، بعد التسعينيات من القرن العشرين ، ووسم النتاج الأدبي الجزائري عامة ، و السرد الروائي خاصة بتسمية  متفردة - أدب المحنة –  أين كانت معظم الكتابات تصب  في قالب مخلفات الإرهاب ، ووصف صراعاته مع السلطة ، والمجتمع كل من موقعه ... حيث تعامل هذا النص "عائلة من فخار "  مع الواقع الجزائري بكل مشكلاته المتداخلة ، والمتصارعة بطريقة مخالفة لما ساد في الساحة الأدبية  الفترة 1990- 2006  . فعكس مختلف  الصراعات  التي  تشكل محور العمل الفني بنبرة واقعية ، ومنطق رزين ، بعيداً  عن  الغلو  في كشف  بنية  العلاقات  الاجتماعية المركبة  من خلال أسرة  كعينة سردية  من هذا الواقع المأزوم  .   

     عرض السارد أحداث النص من خلال عنصرين واقعين ، سادا في فترة الانفتاح الاقتصادي ( 1990- 2006 ) - الخوصصة والبطالة- أين غاص الراوي في تعرية ملابسات أعماق التحولات الارتجالية المزاحية ، وكشف جانب من آثارها المدمرة للبنية الاجتماعية ، وخاصة عنصر التماسك في الأسرة الجزائرية ، فجاء نسيج النص الروائي مشكلاً وفق تقنية  تبرز الحدث الخارجي ،  وتداعياته  في تشكيل الوعي لدى أبطال القصة ، و من خلاله تنجز الأحداث ، ويتبلور الصراع  الدرامي في خط  أفقي تصاعدي ، ينطلق من نقطة الصفر ، وينتهي عند الذروة بؤرة الصراع بين تضارب تحقيق رغبات الشخصيات، وأزمات الواقع  المعيقة . هذا الواقع الذي سار في خط معاكس لما كان ينتظر تحقيقه من هذه التحولات ، التي طرأت على البنية السياسية والاقتصادية ...                                                                                                

      إن فهمنا لتجربة النص الأدبي مرتبط بفهم تجربة الوجود، التي تفصح عن نفسها من خلال لغة النص الأدبي17 يكتب الروائي" محمد مفلاح" ما يمكن أن نصطلح على تسميته ب" الرواية الواقعية التشويقية"18، معتمدا في ذلك على سرد الأحداث بلغة شفافة ، تهيمن عليها الإحالة المرجعية على واقع الجزائر ، وكشف أوضاعه الاجتماعية والسياسية ، من داخل  هرمية العلاقات الاجتماعية ، التي تفشت بعد انفراج أزمة العنف الدموي . أين ظهر الفرز الطبقي . وما رافقه من خلخلة للبنية الاجتماعية للمجتمع الجزائري . فالطابع الحدثي ـ الوقائعي الذي تتعاقب بمقتضاه الأفعال السردية ، يجعل من الخلفية التاريخية ، والاجتماعية والسياسية ، مداخلاَ لخلق عوالم روائية ، تتصارع فيها مصائر الشخصيات الروائية ذات النفس الواقعي ـ الاجتماعي . وتعرض على شكل درامة بوليسية  على مستوى البناء الروائي . حيث يهيمن العرض المكثف لموضوع الجريمة في صلب الصيرورة الحدثية، متداخلاً بعنصري الإلغاز والإثارة، بعيدا عن أية حذلقة إنشائية أو نخبوية متعالية19. مما يجعل القارئ مشدوداً لمتابعة القص ...والوصول إلى المتواري خلف الكلمات والأشكال . لأن جوهر النص ليس فيما يبوح به صراحة في الوهلة الأولى  بل في الآخر المخفي20بعد هذا التقديم سنباشر النص الروائي بفحص عناصر هذه المداخلة كما هو مبين في التقديم: 

- المناص وامتداد السرد   العنوان وبنية الرواية21:  

     العنوان سؤال إشكالي ينتظر حلاً، والنص هو بمثابة إجابة عن هذا السؤال الإشكالي، وذلك بإحالته على 

مرجعية النص المركبة من دلائل تعلن عن طبيعة النص ، ونوع القراءة التي تناسبه . هو عنصر غواية وإغراء للقارئ، ومقدمة المغامرة الإبداعية ، هو لوحة وخطاب إشهاري ، وسلطة توجه القارئ، تختله وتشده إلى النص ، وتحفز عملية الاستقبال لديه، وتشحن فعله التأويلي بإمكانات متعددة لقراءة النص المكتوب، عبر تقنية الإغراء والإدهاش والتشويش ، والاستحواذ على تفكيره ومشاعره بالتحريض أو المواجه . هو مغامرة أولى مع النص ومع محتواه وواجهة دورها جذب ، ولفت انتباه المتلقي.وتكمن وظيفته الأولى في إثارة القارئ. فهو دافع وفاتح للشهية قراءة النص . العنوان بنية مستقلة ذات بعد تواصلي ، تداولي بين عناصر الصيرورة الإبداعية ، التي تتشكل من المبدع والنص، والناشر والنص، والقارئ والنص . وتحيل إلى مرجعية ما ، سياسية ، مذهبية ، فنية . يتجاذبها أقطاب الفعل الروائي ـ المبدع والنص والناشر والقارئ - عبر تقنية الغواية ، والإغراء والإدهاش للتأثير في القارئ الذي يقدم له معرفة كبرى لفهم النص ، وضبط انسجامه، وفهم ما غمض منه. هو وسيلة إجرائية في التعامل مع النص في بعديه الدلالي والرمزي22.

     يجسد عنوان الرواية مفارقة ساخرة , تهز مشاعر القارئ بمجرد ما يدرك أبعاد هذه العلامة اللسانية (عائلة من فخار ..مسار المتقاعد صاحب الخيزرانة ) . هذا التركيب اللغوي . هذا السبك النصي يحيل القارئ على دلالات مركبة . تتداعى متزاحمة في بؤرة شعوره  ،تحاول فهم مكونات هذا الملفوظ على غرابته ..وتبدأ عملية طرح السؤال: ما المقصود بهذا الملفوظ ؟ وما هي مقصدية صاحب النص ؟ أي عائلة هاته ؟ ولما هي من فخار ؟ ...

من هذه الزاوية يتنقل هذا الدال من كونه دال تعيين إلى دال تضمين، فتنزاح دلالته  وتتداخل وتشابك التأويلات لدى المتلقي لتحليل شفرات هذا الملفوظ . وهذا نتاج التشويش في الفهم ، لأن العنوان كما يقول أبمرتو أيكو:  عليه أن يشوش الأفكار لا أن يحصرها. 

عنوان النص هو أول عتبة يتعامل معها القارئ ، وكلما لقي فيها بريق الغرابة والالتباس كان لها تأثيرها البالغ في شد القارئ إلى النص بإثارة فضوله المعرفي .

(عائلة من فخار ..مسار المتقاعد صاحب الخيزرانة ) هذا العنوان نص سردي بامتياز ، نص مواز للنص الروائي ، يكشف لنا بنية النص الروائي ، وحمولاته الدلالية ، وأبعاده الدرامية . هذا النص الكامل التركيب والدلالة من البداية يعلن بداية الحكي ونهايته المحتملة . فإن كان  ملفوظ العائلة تشع منه دلالة الانسجام والتماسك ، والوحدة والاستمرارية لأعضائها ، فإن ملفوظ الفخار الذي ألحق بملفوظ العائلة  غيّر مسار التدليل  . حيث أفرز هذا التركيب اللغوي الجديد دلالة مهيمنة عل النص ، توحي بما يناقض المسار الدلالي الأول ، الذي ارتبط بلفظ العائلة . فالعائلة هي من فخار  وهذا الأخير يوحي بسرعة الزوال والتغيير والتلاشي لأبسط هزة يتعرض لها . وما يعمق هذا التدليل . الملفوظ الفرعي الذي يلاحق العنوان  (مسار المتقاعد صاحب الخيزرانة ) خطاب يكرس مدلول النهاية  والتوقف عن العطاء . فهو ملازم للخيزرانة حتى عرف بها دليل آخر على الوهن والهوان ...

العنوان مركب من عنوان أصلي يرافقه عنوان فرعي (عائلة من فخار ...مسار المتقاعد صاحب والخيزرانة ) .وهذا

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

يشير إلى بنية السرد ، وامتداده . فالحكي المسرود يجسد مأساة البطلة خروفة التي تتكالب عليها الظروف ، وتدفعها إلى النهاية المحتومة  ، والهروب من الأسرة المفككة ومن جشع الانتهازيين المتسلقين على الرقاب ...العنوان يتضمن بداية الحكي ونهايتها . و يختصر امتداد السرد الروائي الذي انداح على ما يقارب المائة وعشر صفحات .فيشير إلى بداية النهاية . فالعائلة ستتفكك وتتلاشى تحت وطأة المتغيرات الواقعية ،والأحداث المشكلة للبنية السردية . وهذا ما يكشفه لفظ فخار ، والخيزرانة ...

     العنوان تقنية سردية وعلامة سيميائية . إن الكاتب  محمد مفلاح وضع عن قصد  هذا الاسم للرواية  (عائلة من فخار ...مسار المتقاعد صاحب الخيزرانة ) . وتعمد وصف هذه العائلة بهذه الصفة الفخار .  هذا العنوان وفر للنص الروائي تقنية سردية بما لخصته من أحداث في ملفوظات قصيرة ، هو بمثابة سرد سابق ، ينبئ القارئ بما سيحدث .  كما قدم أبعاداً سيميائية يقف عليها القارئ ، حيث يتحول الملفوظ إلى رمز يكشف بنية الواقع المتهري الذي تناولته الرواية . واقع الجزائر ما بعد الانفتاح الاقتصادي ...هذا الواقع الذي شكلته النزعات العصبية ، والنزوات الشخصية (الأمزجة والأهواء) ...

1-سيمياء الأسماء :

     إ ن تواجد الشخصية في السرد الروائي ينطلق من اختيار الاسم23 الذي يسمه بها  الكاتب ، و به تتميز وتتموقع داخل القص . يُلخص حقيقتها ، ويكون بمثابة المعادل الموضوعي لها،.فبناء الشخصية لا يقوم على جانب واحد ، لأن الروائي يحاول التنسيق بين عدة أبعاد، لتكون في الأخير محصلة الشخصية الروائية .

- اسم  الشخصية ، يمنحها كيانا محددا . ومن المفارقة أن الاسم الذي يحمله الشخص الواقعي يختلف جذرياً عن الاسم الذي تحمله الشخصية الروائية، فالأول يخضع لمنطق  الصدفة واللاتعليل في الغالب ، في حين الروائي يبذل مجهودا لانتقاء أسماء تدل على شخصياته، مراعيا جملة من المعطيات من بينها: البيئة، المستوى الاجتماعي، والثقافي، العمر، الجنس، المهنة، الاتجاه الأيديولوجي ... تمكنه من إدارة الحدث الروائي بسهولة وفق تقنيات السرد . واختيار اسم الشخصية ليس اعتباطاً  ، بل هو إعلان عن الخواص التي تنسب إليها ، وعلى امتداد السرد يحمل العديد من الدلالات الحافة التي يحرض عليها سلوك الشخصية وصفاتها ، والاسم إما يقيم علاقات استبدالية محضة  مع الشخصية، أو ينخرط في السببية للقصة24لأن الشخصية ربما تكون  هي كل شيء في أي عمل السردي25

أسماء العائلة : 

     تتشكل هذه العائلة من خمسة ذكور وأنثى واحدة ،بالإضافة إلى الأب والأم . الأب اسمه العيد  ، الأم : يمينة الإخوة محمد ،رشيد ، الحبيب ، موسى ، يوسف ، الأخت خروفة. الكاتب انتقى أسماء هذه العائلة وانتقى لها لقباً خاصاً بها " فخار "هذه الترسيمة من الأسماء تبدو طبيعية والناشز فيها اسمان خروفة ، فخار . هذان الاسمان يثيران المتلقي بما يكتنفهما من غرابة وغواية وعجب  في كشف انزياحات الدلالة التي ترافقهما . وسنقف على هذه التخريجات لاحقاً . أسماء هذه العائلة تحيل القارئ على حزمة من الاستنتاجات، والتأويلات السيميائية لهذه العلامات اللسانية . فالأسرة التي تتشكل من هذا الحقل الاسمي البالغ الخصوصية بها ، فكل الأسماء لها أبعاد سيميائية 

- البعد التاريخي : أسماء شخصيات النص الروائي "عائلة من فخار" لها ارتباط وثيق بالتاريخ، وبجذور الأسرة فأغلب الأسماء هي  امتداد لأسماء الأجداد فخروفة (هو اسم جدتها من أبيها ) الرواية ص26  ويوسف اسم الجد الأول للعائلة :(يذكر جيداً لخضر أن والده ربت على كتفه قائلاً بعطف يا لخضر ..أشعر أن يوسف هو الذي سيحمي عائلة " ولد الفخار " . اشكرك يا بني لماسميت أحد أحفادي باسم جدي البطل الذي توفي بعد تمرد الحاج بطيب  عام 1891)  الرواية ص:27

قالت له والدته بحياد:(ليوسف) 

-لا تنسى أن والدك سماك باسم جدك الكبير الذي كان مفخرة الدوار الرواية . كان "سي يوسف لكبير " مجاهدا مع جيش الأمير   ص:40.. فامتداد أسماء الأجداد لدى الأحفاد دلالة على الاستمرارية والتماسك والكينونة والتواجد وهي سمة تفتخر بها الأسر الجزائرية ، حتى لا تنقرض أسماء السلالة في الأسرة . وترث صفاتها . وهذه مفخرة وأمنية كل أب يريد بناء أسرة مترابطة متماسكة بجذورها التاريخية ..

- البعد الديني : الإحالة الثانية التي تنداح في ذهن القارئ  كون هذه الأسماء  لها ارتباط  صريح بالحقل الدلالي الديني . فغالبية الأسماء إما هي لرسل وأنبياء  مثل  اسم محمد موسى يوسف ، أو هي من خاصية الأسماء العربية الحبيب رشيد يمينة ..أو تحيل على مناسبة دينية العيد  . هذا ما يشيع في النص الروائي نكهة المنافحة على العرض والدين وهذا ما نلمسه في ثنايا النص . وخاصة المتعلقة بشرف الأسرة . فلا تسامح فيها  ولا مهادنة  توجيهات   الحبيب مخاطبا أخته: ( حافظي على شرف العائلة  ) الرواية ص:  28 

- موقف الأب بعد إحالته على التقاعد وانهماكه في العبادة والذكر . فهو إما منقطع في المسجد أو يتلو القرآن ويذكر الله في البيت. بدأ التلاوة ( بسم الله الرحمن الرحيم إذا وقعت الواقعة ليس لوقعها كاذبة خافضة رافعة إذا رجت الأرض رجاً ..) ...ثم شرع في تلاوة سورة الانفطار بصوت مرتفع وفي اللحظة التي ردد فيها الآية ( يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً والأمر يومئذ لله )، انتصبت  أمامه زوجنه وأشارت إلى بيوت الجيران ثم همست قائلة له  برجاء...يا رجل الساعة الواحدة بعد منتصف الليل ) الرواية ص65

- البعد الوطني الإحالة الثالثة: كل أسما هذه الأسرة ، والأسماء التي تدور في فلكها شديدة الإيحاء إلى الرقعة الجغرافية التي تكثر فيها هذه الأسماء في الوطن العربي ألا وهي الجزائر .. فاسم العيد ، ويمينة ،ولحبيب، رمضان القبايلي ص:46 ،... تحيل إلى رقعة جغرافية من الوطن العربي ، تسمى الجزائر .هذه إشارة لمحلية النتاج الأدبي  الذي يحمل سمات فضائه الجغرافي والاجتماعي والتاريخي ...

اسم البطلة "خروفة ولد الفخار:"

     بدأ النص الروائي بذكر أول اسم لهذه المدونة  في ملفوظ سردي على لسان السارد ( تحملت " خروفة ولد 

الفخار " في صبر لفحات هذه الريح الحانقة للأنفاس ، وواصلت سيرها في شارع المستشفى المؤدي إلى ساحة البلدية . وتنهدت بقلق وهي تفكر في مستقبلها القريب . هل قدرها أن تعيش في بيت والديها الذي لم يستطع التخلص من همومه الكثيرة ) الرواية ص:5

أول ما يصدم القارئ اسم البطلة  "خروفة ولد الفخار:" هذا الاسم الغريب (كان لا يناديها باسم" خروفة"الذي قال عنه إنه اسم غريب) الرواية ص18. المفارقة في تركيب هذا الاسم ، تسمُه بالبعد الغرائبي والعجائبي الذي ينبعث من دلالات هذا الاسم في لفظ خروفة والفخار . أما البعد العجائبي ، يكمن في ملفوظ "ولد" الرابط بين الاسمين . فهل البطل ذكر أم أنثى ؟ وبعد تمعن في الملفوظ ، يزول اللبس . ويدرك المتلقي أن " ولد الفخار " اسم العائلة ، ولكن سرعان ما يتوالد عنه غموض آخر ملتصق بملفوظ  "خروفة" هذا الملفوظ له دلالات خاصة في الثقافة الشعبية تنم عن السذاجة واللطف والغفلة ... فلماذا هذه التسمية ما قصد الكاتب ؟ أيريد أن يجعلها ضحية سهلة الامتطاء؟... أم هي وسلة سردية تسهل له بناء الأحداث وتعطيه أبعادها الدرامية؟أم هي رمز لشيء آخر سيكشفه السرد لاحقاً ؟ ... 

     اسم البطلة مشحون بعدة دلالات متوالية تحاصر المتلقي ( خروفة  ولد  الفخار ) . فكل كلمة مركبة من عدة دلالات ، يفرزها هذا التركيب العجيب . الذي يحمل في طياته تناقض ظاهر وغريب ، يحيل إلى إشكاليات روائية نصية وخارج نصية . فاسم البطلة باعتباره تقنية سردية ، هو سابقة ينبئ القارئ بالنهاية المؤلمة والفاجعة المحتومة . فلفظ ((خروفة / فخار)) تنسجم دلالاتهما مع النص الروائي في إنشاء  فضاء دلالي يرافق هذه الشخصية ، وينم عن الضعف والهوان والاستسلام للقدر المحتوم . لكن تطور السرد يبدأ في كشف خيوط هذه الشخصية المتمرد . هي (لم تستسلم ...بالرغم من مخاوفها ) الرواية ص:57

     لما بلغت الأحداث ذروتها ، تظهر الفتاة المثقفة على حقيقتها . وترفض المساومات . فرغم تهديده لها بالفضيحة لما استدرجها إلى مكتبه بالشركة لم تستسلم..الرواية ص97

( كان الرجل يريدها أن تصبح مجرد ساقطة في " صباح الرمية ". وبصقت حانقة.شعرت بالقيء وهي تلقي نظرة على حقيبتها . ثم ابتسمت لنفسها وهمست بإصرار:لن أفشل .. لن أفشل)   الرواية ص98

بهذه المواقف  سيتحول ملفوظ البطلة ، ويفرغ من شحنات الدلالية الأولى ، ويصبح ملفوظاً دالاً على التمرد ، وعدم الخضوع للمساومات . وسيقف على امرأة شجاعة متحدية ثائرة على التقاليد ، والفكر البائد المتسلط الاستغلالي الذي هو وليد نظام فاسد . وتصبح النهاية مفتوحة على كافة الاحتمالات. وهذه جمالية هذا النص ومتعته ...كما يحيل هذا الاسم إلى إشكالية واقعية لا زالت آثارها باقية  بين سكان الجزائر ، تمخر كيان المجتمع بما تشكله من إهانة ، وتفرقة بين أبناء العشيرة الواحدة . فإشكالية تسمية العائلات التي أقامها الاستعمار الفرنسي إبان تواجده في أرض الجزائر  حيث أطلق أسماء الحيوانات الجماد والنبات على الجزائريين، لا زالت آثارها باقية في بنية المجتمع الجزائري 

 "الجيلالي العيار":  ملفوظ  يسمى به الشخصية المحورية الثانية في الرواية ، وهي المحرضة على فعل السرد ، والمشكلة لبنية العنصر الدرامي . ما إن تغلق الأبواب أمام تحقيق هدف البطلة خروفة ، حتى يلوح هذا الاسم في الأفق السردي ،كمخلص لما هي فيه من معاناة (رأت أن حل مشكلتها يمكن في الموافقة على  الزواج من جيلالي العيار.لقد رفضت الزواج منه ثم ترددت ولكنها الآن ستعمل بنصيحة والدتها) الرواية ص 10

هذا الاسم طغى على بؤرة شعور البطلة . هو المخلص. لكن ما إن يمتد السرد حتى تبدأ ملامح هذا الشخصية تتجلى  . ولكن يما يخيب آمال البطلة في تحقيق أهدافها . مما يدفع المتلقي إلى التساؤل لما لقب بالعيار؟ فتنداح الخطاطة الجاهزة للتفسير ، تمتح دلالات الاسم انطلاقاً من الموروث الثقافي .

     جيلالي العيار : اسم مركب من اسم (جيلالي ) ، وهذه تسمية شائعة في بلاد المغرب العربي  تيمناً باسم الولي الصالح (عبد القادر الجيلاني ) . وكنية العيار هي لفظ ملحق بالاسم له أبعاده السيميائية في العرف الشعبي . فعيّر الشيء بمعنى قاسه قيّمه وزنه . وهي مهنة يقوم أشخاص بها في الأسواق اليومية والأسبوعية . يقوم بوزن البضاعة ونقلها ..ويُعطى له مقابل زهيد على صنيعه هذا . وهي مهنة تكاد تشبه التسول ، لكن هي مقرونة بحدة الذكاء ، والمكر والخداع ، والغش والتدليس . لأنه بعمله هذا يرضي جميع الأطراف رغم ما قد يشوب البضاعة من عيوب . وانتهت الوظيفة لكن التسمية بقية عالقة بالأسرة . البعد الأول للتسمية أنها تحيل على المكر والخداع ، والوضاعة ... وهي مهنة السوقة  .

     أصبحت صفة العيار عنصرا مقوما لهذه الشخصية في ممارسة وجودها داخل الحكي. حيث أستطاع بمكره ودهائه  أن يستولي على مصنع المكيفات الهوائية بطرق ملتوية: ( اشترى جيلالي العيار بناية المؤسسة التي أطلق عليها اسم "شركة البحيرة" وحولها في التسعينيات إلى سوق لبيع المواد المستوردة ؟) ص 32 . أصبح من أغنياء المدينة ، ويقوم بأعمال إجرامية دون أن يلحقه أذى ( ألم يتعمد قتل  جدي "سي العيد "....إنه قتله لسبب تاريخي ) ص15

هو شخصية معروفة بخبثها ( ّإنه خبيث وكل المدينة تعرفه )ص 43 وابتزازها, ولا رادّ لطمعها .  شخصية انتقامية تتلذذ بتعذيب الآخرين . في حوار ساخن لما أدرك أن خروفة لن تستسلم لنزواته ، انقلب من الوداعة إلى الانتقام. (لن تنفلتي من قبضتي يا خروفة . لقد تحصلت على صور تظهرك مع ذلك الأستاذ الغريب ، أنا  أعلم عنك الكثير ...) الرواية ص83 

هذا البعد الدرامي الانتقامي يتولد عنه موقف يوسف المدافع عن شرف الأسرة . يحاول قتله . يفشل ويدخل السجن ، وتغادر خروفة المدينة . يتوارى الأب . تتفكك الأسرة ، ويبقى السرد مفتوحاً على التأويل ، لاكتشاف علاقة البنية السردية بالواقع الذي أفرزها في أبعاده السوسيواجتماعية .

 الرواية صرخة مكتومة ، تعري الواقع المتهري ، الذي يسود العلاقات الاجتماعية في جزائر عهد الانفتاح الاقتصادي والسياسي . واقع متداخل العلاقات . يسوده الحيف والظلم في جميع مفاصل الحياة الاجتماعية ....  

ـــــــــــــ

هوامش البحث

1- عبد الرحمن بوعلي، شخصيات النص السردي، مجلة علامات في النقد، ع8 فيفري 1999، ص76.

-2 حميد لحمداني:بنية النص السردي"من منظور النقد العربي" المركز الثقافي العربي للطباعة والنشر والتوزيع، الدار البيضاء،ط 3، 2000،ص 50 

-3 سعيد بوطاجين :الاشتغال العاملي: دراسة سيميائية لرواية "غداً يوم جديد " لبن هدوقة  ص:14 منشورات الاختلاف ط1:  2000                                       

-4  مجموعة من الباحثين: نظرية المنهج الشكلي" نصوص الشكلانيين الروس"، ت/ إبراهيم الخطيب، الرباط، ط1، 1982،ص 205 

 

-5 حميد لحمداني: بنية النص السردي، ص 24.

 

-6 حسن بحراوي: بنية الشكل الروائي، ص: 219 المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، الطبعة الأولى1987..

- 7أ.ج غريماس: السيميائيات السردية"المكاسب والمشاريع"،ت/سعيد بنكراد، طرائق تحليل السرد الأدبي، ص183 اتحاد كتاب المغرب، الرباط، ط .1 ،1992.

-8 حسن بحراوي: بنية الشكل الروائي، ص 213 .

-9 فيليب هامون: سيميولوجية الشخصيات الروائية، ص 216 ترجمة سعيد بنكراد، دار الكلام، الرباط 1990.

- 10حسن بحراوي: بنية الشكل الروائي، ص 213  .

11 أوزوالد ديكرو / جان ماري سشليفر : القاموس الموسوعي الجديد ت:منذر عباشي ص :642 ط1 .2003 بيروت 

-12 فيليب هامون: سيميولوجية الشخصيات الروائية، ترجمة سعيد بنكراد، ص 110. .

 

13-منى محمد نحيلان :التجريب في الرواية الأردنية 1960/1994 ص:18 م.ع.د.ن.  ط.1  ..2000

- 14رولان بارت :مدخل إلى التحليل البنيوي من الصفحة 5 إلى12

 

- 15حميد لحمداني: بنية النص السردي"من منظور النقد العربي"،   ص 51 .

- 16عبد الملك مرتاض  : في نظرية الرواية عالم المعرفة  ص" 103/104  ديسمبر 1998الكويت

 

- 17 نصر حامد أبو زيد :إشكالية القراءة وآليات التأويل . ص:42  المركز العربي الثقافي ط5  الدار البيضاء 

19   18-محمد منصور : مقال  بعنوان سلطة الحكي في أعمال محمد مفلاح

-20 الأدب والأنواع الأدبية تعريب  طهر حجار ص22

- 21كواري مبروك : مقال  بعنوان (المناصية والتأويل ) مجلة دراسات جزائرية العدد  ديسمبر 2007 مخبر تحليل الخطاب جامعة وهران

22- 22 محمد مفتاح : دينامية النص  ص 161طبعة87   الدار البيضاء 

23-.24 أوزوالد ديكرو / جان ماري سشليفر : القاموس الموسوعي الجديد ت:منذر عباشي ص :672 ط1 .2003 بيروت 

- 25عبد الملك مرتاض :تحليل الخطاب السردي ص127  ديوان المطبوعات الجامعية 1995 الجزائر 

                                                                                            

 

Rate this item
(0 votes)
  • Last modified on الخميس, 05 تشرين2/نوفمبر 2015 15:51
  • font size
المشرف العام

Fusce aliquam suscipit leo, nec tempor arcu tempus in. Suspendisse potenti. Vivamus posuere, turpis vitae egestas imperdiet, urna elit dictum.

Website: itopart.com/fanouss/

عن مجلة استهلال

عن مجلة استهلالالاستهلال مجلة عربية محكمة
تهتم بالسرد العربي و نقده
تصدر من مدينة فاس العاصمة العلمية للمملكة المغربية
ترعى منشورات في مجال السرديات