الببغاء

الساعات الحائطية تدق٬ تخدش عنكبوت الصمت المنزوي في القصر. الصمت شيخ يتحرك ببطء. من زاوية إلى زاوية يمشي متثاقلا متهالكا على عصا ثقيلة. أمير القصر الحزين هو.                                                        
الساعات تدق للصمت. له تعلن المواعيد٬ ولشيء سجين في قفص.
الزمن في القصر جارية أسيرة٬ تنظر إلى نهديها المهملين بحزن.
الزمن في القصر له وجه كالح كئيب. أحيانا يطل من الشرفات على المدى. فيشعر بالسلاسل تكبل حركاته.


آثار البصمات فوق أثاث القصر. آثار الأقدام محفورة في ممراته. ملابس معلقة في الدواليب كالمراثي. أحذية بخيوط و أزرار يتآكلها الملل. قباقيب حفرها الإستعمال منثورة في زاوية. القدور في المطبخ باردة ٬ لم تجر النار في جوفها منذ زمن بعيد.
«اليومية» على الجدار لم تمتد إليها أنامل« عبد الكريم» منذ عهد طويل. لم يقرأ حكمها الموجودة بظهر ورقتها منذ شهور. كان يستمتع بما تجيء به مفاجآتها من نوادر و مستملحات٬ كما كان يستمتع بقراءة« الشفا» للقاضي عياض ٬و« البردة» للبوصيري٬ و بعض الجرائد و المجلات.
«عبد الكريم» كان مهتما بالأحداث التي تجري داخل الوطن العربي٬متحمسا لها٬متتبعا دقائقها رغم شيخوخته .
نادرا ما كان يخرج إلى الشارع٬ في بيته يجد الأنس بجوار زوجته التي قطعت معه زهاء خمسين سنة في حميمية سعيدة .
    « رقية»٬ أو كما يدعوها« للا رقية»٬ رش عليها« ماء زمزم» مع دموعه السخينة منذ مدة.         
قبل سبحتها٬ و احتفظ بها ذكرى عزيزة٬ السبحة أهداها إليها عندما عاد من أداء فريضة الحج.
«عبد الكريم» و حده في القصر. خادمة ورثها عن أبيه تقوم بخدمته في قصره.
هو و «مبروكة» و ببغاء في قفص٬ و مجموعة من الذكريات العائلية.
أبناؤه يزورونه من حين إلى حين مع أحفاده٬ كما كان يزوره٬ أو بالأحرى يعوده٬ بعض أصدقائه فيتحدثون معه في شتى المواضيع.
الحديث الذي يستأثر بهم دائما يدور على أحداث الساعة في الوطن٬ و في العالم العربي٬ بحماسة و نخوة يتحدثون عنها .
«الببغاء» يرددها بنفس الحماسة و النخوة ٬كأنه خطيب في منبر.
 سلوة «عبد الكريم» في وحدته. أنيسه هو. «الببغاء»
 

كان يدعوه ب« سمير» يستأنس به. يطارحه. ينصت إلى أحاديثه التي كان يرددها. أحاديثه في غالبية الأحيان تكون ترديدا لما جرى من مناقشات الصحاب مع « عبد الكريم» ٬و لما مر في القصر في مواضي الأيام.
« سمير» يذكره بصوت « للا رقية». و يعيد إليه بعض أحاديثها الحبيبة إلى نفسه٬ فيمتلئ بحميم الذكريات٬ حتى تفيض من عينيه:
« ...لا تنس زيارتي بعد الوفاة .  لا تنس خبز الخميس ».
« ...لا تنس تلاوة القرآن علي... و صدقة ليلة القدر...».
هذه العبارات كان يرددها « سمير» على مسمع « عبد الكريم» فينتفض٬ فيراجع ضميره٬ فيحاسب نفسه.فيتفقد المشرف على توزيع صدقة « خبز الخميس»الجارية.
« سمير» من الببغاوات غير المألوفة .له حافظة عجيبة . كلما اتسع إلى حديث يظل محفوظا في ذاكرته على مر الأيام٬ فيعيده ٬غير مقتصر على المحاكاة فقط كباقي الببغاوات.
كل من رآه يعجب به٬ و بذاكرته القوية٬ و ذكائه الخارق.
« سمير» وحده في القصر . وحيدا يردد الأحاديث٬فيقع صداها في الصمت الرهيب .
من حين إلى حين٬ تأتي«مبروكة »٬فتقدم له الماء و الطعام ٬ و تبعد الغبار عن الأثاث .
«مبروكة » انتقلت إلى بيت ولده بعد وفاة «سيدها».
و « سمير»في القصر وحده يردد الأحاديث. يردد دقات الساعات. يستمع إلى صداها في زوايا القصر المهجور. يلتفت إلى المرآة التي أمامه.يرى نفسه فيها.
    اكتشف المرآة٬ لم يكن من قبل يدريها٬أو يأبه لها. الوحدة جرته إلى  هذا الاكتشاف.يردد الأصوات.الأصوات تخرج من المرآة . المرآة تردد الأصوات و الأسماء:
- «... للا رقية»
-«... عبد الكريم»
 ………….»                                              »  
و الساعات الحائطية تدق. تخدش عنكبوت الصمت المنزوي في القصر.
الصمت شيخ يتحرك ببطء. من زاوية إلى زاوية يمشي متثاقلا متهالكا على عصا ثقيلة .
الساعات تدق للصمت. له تعلن المواعيد٬و للببغاء السجين في القفص.
الببغاء يحاكي دقات الساعات:
- « دق.دق.دق.دق.دق...»٬و ينظر إلى المرآة.
هذه الهواية٬أصبحت شغله الشاغل. شهور وشهور و هو على هذا الحال. حتى فوجئ ذات يوم بالحركة تترى داخل القصر .
أصبح القصر محط أنظار السياح. فتحت أبوابه للزائرين الذين يفدون المغرب.

مطعما من المطاعم المغربية الفخمة٬ أصبح قصر المرحوم«عبد الكريم» باتفاق ورثته. أمهر طباخات المدينة جلبت إليه لتحضير الطعام المغربي التقليدي. حتى «مبروكة»أصبحت إحداهن.
« سمير» لم يعد يلتفت إلى المرآة. باتت المرآة بلا ألوان.لم يعد كذلك يأبه إلى دقات الساعات.
الساعات الحائطية تعلن مواعيد الطعام للسياح. على قفصه يجتمعون. يتحدثون إليه بلغتهم:الإنجليزية٬و الإسبانية٬و الفرنسية٬و...
أحيانا يردد عباراتهم الأجنبية٬و أحيانا يجيبهم بلغة «للا رقية» و «عبد الكريم».
عليهم يردد حكايات القصر.و أحاديثه٬ و مسامراته٬و خصوصياته:
-«خبز الخميس...» «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده...» «أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى...» « عاشوراء» «أمن تذكر جيران بذي سلم...»«القاضي عياض...».

يفهمون ما يردد عليهم . الدليل يقوم بترجمة الترديد و شرحه و التعليق عليه٬ و السياح منتبهون صامتون٬ و قد استبدت بهم غرابة هذه الأحاديث .بعضهم يستفسر الدليل عن موضوع تشاكل عليه٬ و البعض يسجل٬البعض يفكر و يتأمل.
متعة السياح أصبح « سمير» في القصر.من دخله تمنى أن يعود إليه من أجل هذا الطائر العجيب.شهرته تجاوزت محيطه إلى البلدان الأخرى.
كثيرة هي البطاقات المصورة التي تصل إلى القصر من مختلف البلدان٬ و كلها تذكر« سمير» بالإعجاب.
« هنري»الصحفي الإنجليزي المعروف٬ أعجب ب« سمير» . و بأحاديثه٬و نوادره٬ إعجابا حمله على شرائه.
أدى ثمنه غاليا.بالورقات ذات الصورة الملكية أداها بارتياح. أصحابه ترددا في بيعه. إلا أن الصورة الملكية أغرتهم.
« سمير» يطل من قفصه على « المانش»٬يردد أزيز الطائرة.المضيفة الإنجليزية قدمت له وجبة الطعام مع كأس صغيرة من «الو سكي».
رحم الله «عبد الكريم» .لو رأى« سمير» على هذا الحال من السكر٬لانصعق٬ لغير هذا المنكر.
أطلقت حنجرته٬كلاما كثيرا يردده بعد أن انتشى ب«الو سكي». و المضيفة في حيرة من ثرثرته. هي لا تفهم ما يقول.لا تفهم هذه اللغة٬ على كثرة ما تعرف من لغات.
ماذا يقول هذا السكير؟
« الكرافيل» يمتلئ بأصداء هذا العربيد. شؤون وشجون و أسرار المرحوم مع الأزيز فوق «منشيستير».
بجوار «بيك بن» هو. دقاتها ذكرته بدقات الساعات الحائطية.
كما كان يحاكي دقات الساعات الحائطية يحاكي دقات «بيك بن».
« هنري»مع زوجته و أولاده في مسامرات و مطارحات مع الطائر المغربي العجيب.
تعلموا منه بعض الكلمات العربية. تعلموا ترديد كلمات:
«خبز الخميس ... خطبة الجمعة...دليل الخيرات...لا حول ولا قوة إلا بالله...بيت المقدس...صلاح الدين الأيوبي».   
تعلموا هذه الكلمات٬و كثيرا من مثيلاتها.من خلال أحاديث «هنري» و شرحه لبعض التعابير العربية بواسطة مفكرته.أصبحوا يعرفون حياة القصر و عاداته.و بعض عادات المغاربة٬و خصوصيات عائلة المرحوم« عبد الكريم» . بما فيها «خبز الخميس » الذي خصصته «للا رقية» صدقة جارية عليها٬تقدم للفقراء كل خميس٬كما أصبحوا يعرفون حمام «غويلة» الذي كان يكتريه المرحوم لعائلته كلما دعت إليه الحاجة٬ إلى جانب معرفتهم بيوم «العنزة و الراعي» و يوم « العنصرة».
كثيرة هي التقاليد المغربية التي باتت تتناقلها مختلف العائلات الإنجليزية٬التلفزيون الإنجليزي موجه دوما إلى «سمير» ليتعلم اللغة .
لم تمض عليه مدة.حتى أصبح يردد بعض فقرات من مسرحيات« عطيل» و« تاجر البندقة» و أشعار «غليوت».
كلما شاهد« شيلوخ» على الشاشة الصغيرة ٬ تعتريه نوبة حادة ٬فيقف خطيبا٬ محتجا٬ يرد كلمات حماسية . هي نفس هي نفس الكلمات التي كان يسمعها من الأصدقاء الذين كانوا يزورون« عبد الكريم». وهم في أحداثهم عن الوطن العربي.
أصبح «سمير»في حالة هيجان و فوروان.لا يفتر عن الخطابة بعبارات حماسية نارية .
- ما دهاه؟
- ماذا يقول؟
- على أي أمر يحتج «سمير» الحبيب؟
«هنري»لا يدري.لا يفهم العبارات الحماسية التي يرددها.

- ماذا حل به؟
من كلمات الهوجاء٬ لم يدرك٬إلا٬ بعض حروفها العربية المتقاطعة التي تتشاكل عليه٬ ولا تستقر منتظمة في ذاكرته:ا...ر...ب...ف...ل...ط...ن...
يريد أن يعرف.
بإلحاح يريد أن يعرف ماذا يقول «سمير».
أخيرا ٬قر رأي الصحفي«هنري»على استشارة «بلايك» - صديقه المستشرق الذي يدرس اللغات السامية في  جامعة « كمبردج»- ليترجم له خطب «سمير».

*     *      *

في الغد تصدر جريدة «هنري»٬ و فيها مقاله بعنوان : « فلسطين للعرب ».و ينتهي هكذا:
« ...حتى الببغاوات تطالب بفلسطين».


محمد الصباغ:
ولد سنة1929 بتطوان. عمل بوزارة الثقافة.أحرز سنة1970و سنة1995على جائزة المغرب للكتاب.
من أعماله القصصية:"اللهاث الجريح"(بيروت1954)٬و "نقطة نظام"(الرباط1970)٬و "تطوان تحكي" ( البيضاء 1979).

Rate this item
(1 Vote)
  • Last modified on الخميس, 22 تشرين1/أكتوير 2015 12:06
  • font size
المشرف العام

Fusce aliquam suscipit leo, nec tempor arcu tempus in. Suspendisse potenti. Vivamus posuere, turpis vitae egestas imperdiet, urna elit dictum.

Website: itopart.com/fanouss/

عن مجلة استهلال

عن مجلة استهلالالاستهلال مجلة عربية محكمة
تهتم بالسرد العربي و نقده
تصدر من مدينة فاس العاصمة العلمية للمملكة المغربية
ترعى منشورات في مجال السرديات