جدل الأنا والآخر في رواية الأمير لواسيني لعرج

الأنا/ الآخر- (بين عتمة الأنا و إشراقة الآخر)

    ليس ثمة جدل في أن (الذات، الأنا ) مسكونة بالآخر، و الأخر هو الغير أو المغاير الذي تبحث الذات عما يكملها منه، فالآخر هو مبرر وجود الذات و هو بعض من كيانها وبخاصة إذا كان هذا الآخر ممن ترك بصماته سلباً أو إيجاباً في جسم الذات بحيث أضحت 

هذه البصمات معالم دالة على حضوره القوي في ساحتها ،و أعني هنا الغرب؛ إذ إن (هاجس الغرب، هنا جزء من الكيان، إنه الشطر الآخر من الذات الذي لا نستطيع أن نتخلص منه مهما حاولنا ذلك، و مهما شغلنا بالإدعاء بوظيفة فكرية خالصة وضيقة ؛ذلك   أن أكثر الناس تقليدية و سلفية هو أيضاً منغمس بتفكيره في الغرب رغم العداء الكبير الذي يظهر عليه نحو هذا الغرب). 1

    إن علاقة الذات العربية، تحديدا بالغرب الآخر هي علاقة تجاذب و تناقض، فالغرب سعى ولا يزال منذ أمد بعيد إلى إخضاعنا و ترويضنا و احتوائنا و فرض نموذجه الحضاري و الثقافي و الإيديولوجي علينا، و في المقابل نسعى نحن إلى التمسك بثوابت هويتنا الحضارية و الثقافية و الدينية مما يجعل علاقتنا بالغرب على طرفي نقيض، ذلك (أن صور التخلف الداخلية بالإضافة إلى صور الاستغلال الخارجي تسعى جميعها إلى نزع أردية العروبة عن (الهوية) و محاولة النيل منها بأسلوب (التبعية) الذي نلحظ زحفه الآن علينا بدأب و تخطيط و توجيه، و مادام الشرق العربي لم يرض بهذه (التبعية) للغرب فإنه يظل خطرا لابد من القضاء عليه بأساليب كثيرة)2 ، غير أن الولادة غير الطبيعية لعلاقة الذات العربية بالآخر/ الغرب خلقت في الإنسان الشرقي ازدواجا في الشخصية3 و انفصاما فيها، إذ بقدر ما يصبو إلى الغرب و علوم الغرب و حضارة الغرب و مدنيته و يتوق إلى ذلك بقدر مايثنيه الحنين إلى الماضي عن وجهته و يصده عن ورود حياض الغرب و النهل من منابعه . و بين هاتين الضفتين أو العد وتين  لانعدم وجود أناس منا من جلدتنا ممن غشيت أبصارهم أضواء الحضارة الغربية يحاول أن يسوق نصف الصورة المشرق و المضيء بينما يخفي نصفها الآخر المعتم و المظلم، فهو لا يتورع في سعيه الحثيث عن تلميع صورة الغرب و الترويج له و لنموذجه على أنه النموذج المخلص.

    و في ضوء هذه الجدلية و من موقعها نحاول ولوج عالم نص (الأمير) علنا نعثر على إجابة عن سؤال علاقة الأنا بالآخر.

     تتجلى علاقة الذات بالأخر في علاقة الأمير عبد القادر بالراهب مونسنيور ديبوش، علاقة مسلم بمسيحي أو علاقة شرقي بغربي ،علاقة غالب بمغلوب،علاقة لها دلالتها الرمزية والإيحائية، و كأن الخطاب هنا يتجاوز العلاقة الفردية إلى العلاقة العامة ؛و كأنه بذلك يبطن الدعوة إلى التبشير بثقافة الغالب و المنتصر (الغرب) و الترويج لها و الدعوة إلى الاهتداء بهديها  و الاقتباس من نورها،على أنها النموذج الإنساني الكامل . يقول الراوي في معرض وصفه شخصية "مونسنيور".

(ارتبط بهذه الأرض فدافع عنها باستماتة و دافع عن رجلها الكبير، الأمير، مثل الذي يدافع عن كتاب مقدس، استمات في الدفاع عنه حتى جعل حياته كلها رهن إطلاق سراحه... الأمير كان وسيلته للوصول إلى المحبة العليا).4 

  إن فكرة الخلاص و هداية الناس و انتشالهم من حمأة الظلم و البؤس كما يتمثلها الخطاب السردي تتجسد في شخصية (مونسينور ديبوش) الذي يرمز للحضارة الغربية المخلصة و المنقذة من الضلال إلى الهدى و من الظلام إلى النور، غير أن الواقع التاريخي يبدد هذا الوهم الذي علق في ذهن الراوي والذي جعل منه عالما بديلا ،عالما احتماليا تتجاور فيه الأضداد وتتلاشى فيه الألوان ،و لكن آمال الراوي تحطمت على صخرة الواقع وإرغاما ته.،و ما سلوك فرنسا الاستعماري البشع عنا ببعيد ( استعمار شعب بقوة الحديد والنار)؛ ذلك (أن الروائيين يسهمون في عملية إعادة كتابة السجل التاريخي السائد من وجهة نظر أخرى، و في عملية إنتاج خطاب على الخطاب السائد و لكن كتاباتهم ليست بريئة أو متحررة من أحكام القيمة بل هي ذات هدف، و لذلك فهي ذات طبيعة أيديولوجية).5 

    يمارس النص سلطة الإقصاء و يؤسس ثغرات صمته  لإرغام المتلقي على القبول بوجهة نظره و التجاوب مع أطروحته .والمؤشر إلى ذلك جملة النصوص العديدة التي تصور (مونسينيور ديبوش) ملاكاً أو رمزا للخير المطلق ،و من ذلك قول الأمير، و هو يخاطب مونسينيورديبوش (أتمنى أن يأتي الخير على يديك، مونسيينور).6

(قلبي يحدثني أن زيارتك هذه حاملة لبشرى الخير).7

(متيقن أن قلبك لن يتوقف عن فعل الخير).8

(روحك أنت غالية علي و مستعد أن أمنح دمي لإنقاذك .امنحني من وقتك قليلا  لأتعرف على دينك، و إذا اقتنعت به سرت نحوه).9 

   إن ما يوحي بتوجه الخطاب الروائي توجها أيديولوجياً و يفضح الوهم الزائف عند الراوي و يكشف نيته المبيتة  تمني الراهب مونسينور و أحلامه الكاذبة في أن يرى الأمير و قد تمسح و تخلى عن عقيدته  التي كانت الحصن المنيع الذي تكسرت على عتباته موجات التبشير و التنصير و الاستعمار.

     يقول الراوي (في تلك اللحظة رأي مونسينور ديبوش الأمير و هو يركب بصحبته القطار المتجه إلى روما ليتلقي التعميد من يدي البابا الأكبر، فكل النقاشات التي دارت بينهما كانت معطرة بآمال كبيرة و بعطر شرقي تصعب مقاومته).  10 

و يقول الراوي، أيضاً ( عندما دخل على الأمير كان يحلم بتمسيحه ،بل إنه وصل به التفكير في ضرورة اصطحابه لروما و تقديمه للبابا لتعميده...).11

  إذن سقط القناع و تلاشى الحلم و تبدد الوهم و لم يبق إلا الخطاب الإيديولوجي المخضب بكراهية الذات و تاريخها و حضارتها و تمجيد الآخر و الترويج لحضارته و قيمه و مبادئه ذلك ما يوحي به قول الراوي ،و هو يصف الأمير بعد جولة في شوارع مدينة باريس التي أعجب بها أيما إعجاب و بعد أن سرح به الخيال بعيداً مرتداً بذكرياته إلى الماضي، حيث استحضر زمن المقاومة بمشاهده الرهيبة (رأى سيوفه التي لم تكن كافية لمقاومة زمن لم تعد البطولة و القصائد تنفع فيه كثيراً. أغمض عينيه قليلا تحت وقع نقرات حدوات الأحصنة و هي تقطع الشوارع الخلفية و حاول أن يمحو من ذهنه كل هذه الصور القلقة). 12

   حقاً لم يعد التاريخ ولا الحضارة التي أنجبت أمثال الأمير عبد القادر،رمز المقاومة و رمز الأمل ،في نظر الراوي إلا صورا ماضية قلقة و مشوهة ،علينا إذا ما رمنا التقدم و التطور و اللحاق بالآخر أن نتخلص منها،ومصداق ذلك أن الشخصية الروائية تعلن القطيعة مع الماضي وتولي وجهها نحو المستقبل الذي هو،يقينا ،ليس زمنا عربيا.

    و صفوة القول إن رواية (الأمير) انزاحت عن التاريخ الموضوعي لتقول غير الذي قاله التاريخ، فالتاريخ الواقعي ليس من مقصدياتها، لأنها تروم بناء عالم متخيل عالم ذاتي ،كون متلبس بالذاتية).13 يتحرر شخوصه من قيد الواقعي و التاريخي ويجدون لأنفسهم فيه موقعا وفضاء للحلم،للوهم، للتبدد .

      نقد الذات

      تنفتح الرواية على أكثر من مقطع سردي تواجه فيه الذات (الأنا) نفسها وتكاشف ذاتها مكاشفة صريحة جاعلة الكثير من المواقف والسلوكيات على محك النقد ومنبر المساءلة، مما يجرد هذه " الموافق" من صفة " اليقين" وينزع عنها رمزية المقدس ويعيدها من جديد إلى منطقة الشك والتساؤل، ومن ذلك مشهد مقتل القاضي أحمد بن الطاهر قاضي أرزيو الذي نقذ فيه محي الدين ( أب الأمير عبد القادر) حكم الإعدام بتهمة الخيانة (التعامل مع الاستعمار الفرنسي) غير أن هذا المشهد ،وإن كان قد قوبل بالتكبير والتهليل ،فإنه قد لقي امتعاضا واستنكارا عند الأمير عبد القادر.

" رفع عبد القادر لحاف برنسه ومسح عينيه".

- تبكي يا ابني؟

- لا، أمسح الغبار من على وجهي، كان الله يرحمه أستاذي ومرجعي في الفقه، خسارة كبيرة، ألم يكن هناك حل شرعي أقل سوءا من الإعدام؟

- المرجع عندما يخطئ يخطئ معه الغير، عقوبته غير مغتفرة.

- الله رحيم لا توجد فقط حلول الإعدام، التعزير مثلا يمكن أن يعلم الناس.

- عزرناه وأنت تعرف ذلك أخفناه ولكنه استمر في تعاملاته مع القوات الغازية التي لم يكن أممنا من أجل مقاومتها إلا محاصرتها لإجبارها على المغادرة .

- كان أستاذي.....يا الله" 14

     إن هذا المشهد، على فيه من تناقض بين الذات وأناها ،يحتمل دلالات غائرة وبعيدة تدغدغ وجدان الحاضر أكثر مما تستنطق الماضي،وتشرئب إلى المستقبل ،وتلعب على وشائج التسامح والعفو ونسيان الإحن والأحقاد بين بني البشر جميعا ؛الجلاد والضحية ،المتسلط والمتسلط عليه ،الظالم والمظلوم.

      وتبدو مكاشفة الذات لذاتها كأوضح ما يكون في هذا المشهد الذي تشتد فيه حدة النقاش بين الأمير وأبيه محي الدين،( - يا أبي لاتجعلني أندم على إمارة لم أطلبها، حروب المسلمين القدماء لم تعد نافعة، الكلام لم يعد كافيا كنا نظن أننا الأفضل في كل شيء وبدأنا ندرك أن الآخرين صنعوا أنفسهم من ضجيجنا الفارغ .

-معك حق لكن رحمة ربي واسعة والله معنا، نحن نخوض حربا باسمه وباسم السلطان ،ولو أنه نسينا . يمكن لأمة فضلها الله عن غيرها أن تغير الموازين في أية لحظة.

-يا شيخي، كلامك كبير ولكن الزمن تبدل ومعه تبدلت السبل والوسائل، نحن على حوافي قرن صعب، إنهم يصنعون المدافع والبنادق والسيوف الحادة ، ونحن مازلنا نراوح في أمكنتنا ونزهو كلما أقمنا مقاما جديدا في سهل غريس...) 15

      إنه بقدر ما تصرخ " الذات" في وجه ذاتها بقدر ما يتحفز المتلقي وتستثار قواه الذهنية والخيالية لترصد الدلالات المضمرة في خبايا نص مشاكس عنيد متسائلا عن فحوى هذا النقد اللاذع الذي يوجه فتى شاب ؛يفترض فيه أنه هو الذي سيقود أمة 

إلى بر الأمان وشاطئ الخلاص ويطهرها من عدو غاز ،إلى أب بلغ من الكبر عتيا،           إذن هو حوار الماضي والحاضر؛ ماض ولى وانتهى وحاضر يتولد ،ولكن ليس من حاضرنا نحن ؛بل من حاضر الآخر القوي، من الضفة الأخرى حيث صناعة التاريخ البشري على غير ما اعتدناه وألفناه من قيم وأفكار ومعايير. إنها ولادة الإنسان الجديد والعالم الجديد ، ليس فيه موطأ قدم، بحسب الراوي، لإنسان ما يزال " يراوح مكانه ويزهو بنفسه كلما أقام مقاما جديدا في أي ركن من البلاد، ولا يصعب حتى على المتلقي الساذج تفهم مرامي الراوي من هذه العبارات التي تضمر نقدا لاذعا لمجتمع لا يزال يسيطر عليه الخرافي والخوار قي "

      لعل وعي الذات لذتها ومآلاتها أصبح أشد تأكيدا وأبلغ يقينا من ذي قبل عندما بدأت الهمم تضعف والعزائم تتلاشى وأصبح " الآخر" الغازي قاب قوسين أو أدنى من إحكام القبضة على والبلاد والعباد، ساعتها لم يعد أمام الذات ( الأنا) إلا الانكفاء إلى الداخل والتنقيب عن مبررات العجز ودواعي الفشل في محاولة لإيهام ذاتها أو أناها بأن المآل هو من نصيب الأقدار لامن صنع أيادي البشر.

    يقول الراوي ( صحيح أن آلتهم الحربية أقوى من آلتنا ؛لكن قوتنا ستزداد حدة.

-أيه شوكة يا السي مصطفى وأنت سيد العارفين إذا لم نبن آلة حربية موازنة لآلتهم أو على الأقل قريبة منها سنظل تحت رحمتهم .صحيح أننا نقاوم باستماتة ولكننا سنخسر الحرب ؛إن عاجلا أو أجلا.

-أراك يا سيدي متشائما ؛وكأننا هزمنا في حرب ربحناها.

-ربحنا الحرب ولكنهم أجبرونا على خسران معركة السلم) 16.

   ولعل أسوء من ذلك وأنكأ عندما تفقد الذات عناصر البقاء وأسباب الاستمرار كذات فاعلة ومؤثرة ليس في ذاتها فحسب ؛بل في الآخر الذي يجاذبها البقاء وينازعها الوجود .وليس بالضرورة أن تكون عناصر الهدم خارجية بل قد تكون داخلية ذاتية أفرزتها عوامل تناحر الذات وتشظيها .ففي حوار بين القس مونسينور ديبوش والأمير يرد الأمير على القس بقوله:

-(كنت صادقا – فكرت في لحظة من اللحظات أن الوضعيات تغيرت ولم أعد قادرا على تسيرها، ربما كان غيري أفضل لها. عندما نحس بالضعف يستحسن أن ترك المسؤولية لمن هو أهل لها. ثم أني شعرت بالضعف أمام ما كان يحدث أمامي ويحاك ضدي من مكائد أناس أكلوا معك البؤس والشفاء والملح .فجأة يتحولون عنك إما أنك لم تفهمهم أو أنهم يضمرون غير ما يظهرون .وكما ترى المسألة في غاية التعقيد ) 17

   يشكو الراوي على لسان شخصيته من تشظي الذات وتمزقها وفقدانها القدرة على إيجاد عناصر البقاء والاستمرار لجسدها المهتري المتهالك وتحولها إلى جسد بلا حراك خاضع مستسلم وعاجز عن فعل أي شيء إلا وهو يتكئ على عكاز الآخر،الآخر المتربص ،وذلك حتى يتسنى لهذا (الآخر( الغربي بالطبع) تعميم نموذجه  بوصفه النموذج الأصلح ،وعد الآخر جزءا من الذات خاضعا لاستراتجيته وميدانا لتجريب صلاحية النموذج فيه )18 

   وقد بلغت مأساة الذات و انشطاراتها حد الطفرة بإعلانها الصريح والمباشر وعلى الملأ بتخليها عن واجبها المقدس في حماية الأرض والإنسان.

   الأمير (- كم أتمنى أن ينتهي هذا البؤس وأعود إلى كتبي.

          -ولكن هذه الأرض  لم تعد في حاجة لأي أحد ،لا يعرفون أن الدنيا تغيرت وأننا على حافة عالم في طريقه إلى الزوال وعالم يطل بخشونة برأسه لاخيار لنا إلا أن نفهمه وننسجم مع ظروفه أو نظل نغني ولا أحد يسمع أصواتنا إلا الذين نريهم الهزائم انتصارات دائمة).19

          فالذات التي يرسمها السارد بقدر ما تبدي  عجزها في مواجهة الواقع القاسي فهي تكشف عن امتلاك وعي بمجريات هذا الواقع وما يكتنفه من تعقيد وغموض في المسارات 

والمآلات وتقاطع المصالح، ولعل ذلك ما جعلها ( الذات) تستوقف ذاتها وتراجع نفسها وتضع إشكالاتها على المحك وتحاول الإجابة عن الأسئلة الكبيرة المطروحة عليها، ومن ثم فإنه ليس من شك أن الذات قد  حسمت الخيارات واختارت الطريق على ما فيه من مخاطر، طريق الاندماج في عالم يتشكل فوق رغبتها وفوق إرادتها، إنها العولمة وبشائرها والشمولية وطلائعها ،وإنه النموذج المقتدى والنموذج المخلص ( وبما أن القيم الفرنسية تتصف بالكونية والشمولية كما يريد الفرنسيون فمن الواجب على المجتمعات الأخرى أن تتبع راضية أو مكرهة  الأنموذج المخلص) 20

      الذات في محاورة الآخر 

      تمتلئ رواية "الأمير " بالمشاهد التي لا تقف عند عتبة الماضي ولا ترتوي من نبع التاريخ صافياً  كان أم كدراً ، بل قد تمتد مجتمعة أو متفرقة لتستشرف الحاضر والمستقبل وتعكس تعطش الإنسان للحرية والتسامح والمحبة وتطوي صفحة الأحقاد والحروب والنزاعات مهما كانت مبررات ارتكابها أو الدعوة إليها ؛ أي أن الرواية تلفت الانتباه وبصوت عالٍ إلى النظر إلى علاقة الأنا والآخر من زاوية إنسانية بعيداً عن النظرات الضيقة التي تسعى لإبقاء الإنسان حبيس ماضيه وتاريخه وإكراهاتهما ودوائرهما المظلمة ليخط بيمينه صفحة بيضاء تكون سجلاً نيراً لتاريخ مشرق يتقاسم فيه بنو البشر جميعاً أفراحه وأتراحه ، وانتصاراته وانكساراته .

    وإذا كانت إكراهات الحاضر وضغوطه قد أملت هذه الرؤية على السارد ، فإن إحدى شخصيات الرواية لا ترى  مسوغاً لبناء علاقة الأنا / والآخر إلا مسوغ القوة ( أنت تعرف ، ياسيدي ، المنتصر هو الذي يحدد دائماً شكل الأشياء )21 .

    ومن ثم فإن منطق القوة أو منطق النصر والهزيمة كان ولا يزال القانون الذي يحدد طبيعة العلاقة بين الأنا والآخر ، ومع ذلك فإن (الأنا) قد تبنت راضية أو مرغمة إستراتجية الانفتاح على الآخر ذلك أن "القبول بفكرة الحقائق المتعددة أو الوجوه المتباينة المختلفة للحقيقة الواحدة قد مثل خطوة جريئة بلورت الإطار النظري بعلاقة الأنا بالآخر" 22

   ووفق هذه الرؤية التي تسعى إلى إرساء علاقة الأنا بالآخر على قيم التكامل بعيداً عن الإلغاء والإقصاء الذي يشكل جوهر هذه العلاقات من منظور الآخر المتعالي؛ إذ إن " الدائرة لا تكتمل إلا بالإلغاء ،إلغاء كل ما من شأنه أن يغذي الآخر بمميزاته وإنجازاته المعرفية "23 تؤسس رواية " الأمير " منطقاً جديدا لعلاقة الأنا بالآخر تنتفي فيه كل أشكال الإقصاء والإلغاء والتغاير السلبي القائم على رفض الآخر رفضاً مطلقاً تحت طائلة أي مبرر دينياً كان أو اجتماعياً أو عرقياً، بحيث ( تعترف ) (الأنا ) بأنه لايمكن أن يوجد بغير الآخر الذي بقدر ما يسلبه وجوده فهو يمنحه إياه ، ويعترف الآخر بأنه بقدر ما يوجد داخل ذاته فهو يوجد خارجها " 24

    وفي ضوء هذه الجدلية التي تسعى إلى إيجاد جسور التواصل ، بين ضفتين لطالما تنازعتا عبر التاريخ  تنازعاً أقل ما يقال عنه إنه عنيف ودامٍ غابت فيه مرجعية العقل وتلاشى فيه منطق الفكر ،وعلا فيه صوت القوة واختلت فيه الموازين .فهل باستطاعة حوار جرى بين قس مسيحي (  منسينيور ديبوش ) ورجل مسلم ( الأمير عبد القادر)  أن يبدد ضبابية العلاقة بين (الأنا الشرقي ) و(الآخر الغربي ) ويرسيها على أسس من التكامل والتسامح كما يتصور الراوي ... أم أن القضية أقرب إلى الوهم منها إلى الحقيقة؟ 

    ففي مشهد من مشاهد الحوار تشكل  الأرض - موضوع الحديث - في نظر الرجلين معاً الملجأ والملاذ والوطن ، لكن المفارقة التي تتبدى هنا أن الأرض (الجزائر) تمثل للآخر المسيحي مغنماً ومكسباً في حين تمثل للأنا ( الأمير ) موطناً وموئلاً ووجوداّ تاريخاً وحضارةً ، حاضراً وماضياً . 

      يقول القس منسينيور ديبوش مخاطباً الأمير :" (...) لكن المنفى قاس . مثلك لم أشته مغادرة تلك الأرض. الظروف القاسية هي التي دفعتني . أمنيتي أن أعود لها لأموت هناك فقط .شيء منها صار في دمي ) 25

    يرد الأمير قائلاً (الطيور العظيمة تجوب الدنيا وتعود إلى عشها الأول الذي حماها لكي تموت فيه. من يدري قد نلتقي على تلك الأرض التي لاقتنا فيها الحروب والنيران والمآسي لنرتاح قليلا ، حتى ولو كان كل واحد فينا في مكان ما في أرضنا، لاشيء يمنعنا من أن نلتقي. الأموات على الأقل لا يؤذون أحدا .الله قبل أن يكون شيئا آخر فهو قوة خير ومحبة) 26

 وفي أحد المقاطع السردية الحوارية التي جمعت بين القس ديبوش والأمير، يقول الأمير(  هكذا البشر مونسنيور، لا يعرفون أن الله الذي منح الروح وقدسها لا يمكن مسها إلا بالحق. أية قضية تساوي حياة إنسان وعزته؟ في كل الأديان شيء من التطرف يؤدي إلى هلاكها)27 

     يلج هذا المقطع الحاضر وما يئن به من مشكلات عبر بوابة الماضي وما كان يعج به من مشكلات أيضا ،وكأن الحاضر والماضي وجهان لعملة واحدة، فإذا كان التطرف  سمة العصور الخوالي فإنه لا يزال سمة العصر الحاضر ،وكأن الإنسان  قد توقف به التاريخ في محطة واحدة لا يغادرها إلا ليعود إليها .التاريخ لا ينتج إلا نفسه ولا يعيد إلا ذاته في حركة اجترار مستمر. فالتطرف الذي عانت منه البشرية في شكل حروب طائفية ودينية لا تزال سحبه المتراكمة تلقي بظلالها الداكنة على عصرنا الحاضر ، ولا يزال يخرب جسور التواصل و التوادد بين بني البشر.

     إن هاجس الراوي العليم الذي يطلع على كل شيء( يعرف ما يقع وما سوف يقع ، يعرف الشخوص ويعرف عنهم وعن دواخلهم أكثر مما يعرفون سرد )28 

 هو أن تكشف الشخصية عن المخبوء و المستور من الدواخل والأفكار والتصورات و أن يدفعها دفعا لينا لا عنف فيه ولا مجاهدة إلى الإفصاح والبوح دونما شعور يوخز ضمير أو بعقدة ذنب ،على ما بين الشخصيتين من تباين في الدين واللغة والحضارة .وقد تبلور شعور ( الأنا )تجاه (الأخر) وتشكل في إطار محبة إنسانية تحطمت دونها كل الحواجز والعوائق أيا كان نوعها ،فلا صوت يعلو على صوت الإنسانية  ، يقول القس منسنيور ديبوش مناجيا خليله (الأمير) :(لا أدري من أين كل هذا ، ولكني أحبك أكثر مما يمكنك أن تتصور .و لك في قلبي  مكان واسع،وفي ديني متسع لا يفنى ولا يموت )29

      يرد الأمير في مناجاة خالصة(روحك أنت غالية ومستعد أن أمنحك دمي لإنقاذها ،امنحني من وقتك قليلا لأتعرف على دينك .وإذا اقتنعت به سرت نحوه ) 30   

      يصيح الراوي بأعلى صوت لا خفوت فيه ولا التباس " ما أروع الإنسانية نسبا وما أقربها رحما" ، فعلى ما بين الشخصيتين من فوارق  إلا أن الجامع بينهما ،أي الإنسانية ، هو أقوى من كل جامع ،فكادت الأبصار أن تزيغ ،وكادت القلوب أن تبلغ الحناجر لولا رحمة من ربك أسبلها على عباده .فلم تكن (الأنا) إلا صدى ومرآة  للأخر  لا ترتسم فيها ملامح الأنا وخصائصها بقدر ما تتجلى فيها معالم الآخر وأبعاده  وذاتيته أن( دراسة الآخر لا شأن لها بخصائصه الذاتية إنما بإعادة إنتاج لمركزية الغرب مقابل تهميش الآخر )31

   غير أن "الأنا" وفد  تماهت في الآخر روحيا وفكريا وصارت قاب قوسين أو أدنى من التحول في المآل لا تمانع في إسداء النصح للآخر حتى وإن كان  هذا الآخر عدوا .

    يقول الراوي على على لسان الأمير:

(على فرنسا إن شاءت البقاء هنا أن تدمر  هنا الرمز فقط ،أن تحكم بالعدل ؛لأنه سيأتي زمن لا أحد يعرف ملامحه أكثر تطرقا وأكثر قسوة كما عشناه .وهذا الله وحده يعرف نتائجه )32         

     لاشك أن الخيال قد سرح بعيدا بالراوي في  ماض تشرب حتى الثمالة من بطش الآخر الغازي واكتوى بسياطه  واصطلى بزمنه الجائر ، ليحط الرحال في حاضر مثقل بهموم الماضي ومثخن بجراحاته، يئن ليس تحت سياط الآخر البعيد وإنما يصطلي بنيرات الآخر/ الأنا القريب،إنها صيحة الراوي محذرا ومنذرا مما قد تخبئه لنا الأيام من نوائب الدهر وعاديات الزمن.

الإحــالات

1-حميد لحميدان- التنظير-ص:126 عن مصطفى عبد الغني- الاتجاه القومي في الرواية العربية- الهيئة المصرية العامة للكتاب-ط: بدون – العام:بدون - ص 115.

2-م.ن-ص:114.

3-مصطفى عبد الغني- الاتجاه القومي في الرواية العربية -الهيئة المصرية العامة للكتاب-ط: بدون-العام: 2005 -ص : 107.

4- رواية كتاب الأمير مسالك أبواب الحديد- دار الآداب- بيروت- ط:الأولى: 2005 ص:51

5- إبراهيم فتحي- الخطاب الروائي و الخطاب النقدي في مصر - الهيئة المصرية العامة للكتاب : 2005 -ص :222.

6-الرواية-  ص :45.

7-الرواية:45.

8-الرواية:49.

9-الرواية:52.

10-الرواية:51.

11-الرواية:489.

12-الرواية:572.

13-عيد القادر رابحي- إيديولوجية الرواية و الكسر التاريخي -الملتقى الخامس للنقد الأدبي في الجزائر-2008- سعيدة- المركز الجامعي سعيدة.

14-الرواية :70

.    15-الرواية:95 

      16-الرواية :168 

      17-الرواية:202

      18-عبد الله إبراهيم-الثقافة العربية والمرجعيات المستعارة-– الدار العربية للعلوم –الرباط-  ط :الأولى-2010 –ص:188

      19-الرواية:233 

      20-عبد الله إبراهيم –الثقافة العربية والمرجعيات المستعارة-ص:184

      21-الرواية :583

     22-عمر بوجليدة-الآنية والغيرية-كتابات معاصرة-العدد-70-السنة:  2008  -ص:119

 

      23-عبد الله إبراهيم –الثقافة العربية والمرجعيات المستعارة –ص:187

24-أحمد الغرسلي-أسئلة الكتابة –كتابات معاصرة-العدد:70-السنة:2008 –ص:76

25-الرواية:418

        26-الرواية :418

27-الرواية:147

        28-صلاح صالح-سرد الآخر-الآنا والآخر عبر اللغة السردية المركز الثقافي العربي-ط:الأولى:2003-ص:62 

        29-الرواية:50 

       30 -الرواية:51   

       31-عبد الله إبراهيم –الثقافة العربية والمرجعيات المستعارة-  ص:185       

        32-الرواية:502.

 

  • Last modified on الخميس, 22 تشرين1/أكتوير 2015 12:00
  • font size
المشرف العام

Fusce aliquam suscipit leo, nec tempor arcu tempus in. Suspendisse potenti. Vivamus posuere, turpis vitae egestas imperdiet, urna elit dictum.

Website: itopart.com/fanouss/

عن مجلة استهلال

عن مجلة استهلالالاستهلال مجلة عربية محكمة
تهتم بالسرد العربي و نقده
تصدر من مدينة فاس العاصمة العلمية للمملكة المغربية
ترعى منشورات في مجال السرديات