'' الولي الطاهر يرفع يديه بالدعاء''

صدرت رواية الولي الطاهر يرفع يديه بالدعاء عن منشورات الزمن العدد 11 سنة 2005 في 126 صفحة من الحجم الصغير، مقسمة إلى : 

-التحديق في الزمن (11-19)

-التأرجح المتقاذف (21-27)

-العكس أصح (29-31)

-رسالة من تحت السواد الدامس (33-69)

-ما نخاف (71-100)

-الإرهاب ينتصر (101-111)

-خذني معك (113-118)

-انقلاب السحر (119-122)

-ويل العراق يا مويلية (123-126)

يتصدرها إهداء موجه لسميح القاسم يستعير فيع الحديث المعروف عن تغيير المنكر باليد والقلب، ليؤكد أن التغيير بالقلم هو أقوى مراتب الإيمان، في إشارة واضحة منه إلى الدور الذي ينبغي أن يلعبه المثقف وكل من يحمل القلم سلاحا في ممارسته اليومية. بعد هذا الإهداء نجد تقديما للمشرف على النشر ''سعيد يقطين'' يحاول من خلاله وضع الرواية في سياقها التاريخي والموضوعي الذي تتحدث عنه في ربطهما الجدلي بواقع العرب الراهن، وبناء على كلمة للطاهر وطار نفسه مفادها أن الكاتب يكتب رواية واحدة وكلما يتعب يضع لها عنوانا جديدا. 

بعد ذلك يثبت الروائي ''تأشيرة عبور'' إلى المتن الروائي يوضح فيها علاقة هذا الجزء بـ ''الشمعة والدهاليز'' و ''الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي'' وان هاجس الأديب ظل يحوم حول ضرورة كتابة عمل إبداعي بخصوص الظاهرة الإسلامية وتناميها سواء على المستوى ''الفردي أو الجماعي، في الحركية أوالسكونية. كما هو الشأن في ردود الأفعال التشنجية، أو الرافضة سلبا'' ص 9 ويؤكد أن الولي الطاهر ''اكتفى بأضعف الإيمان، وهو المواجهة بقلبه، إذ دعا ربه، أن يسلط على الأمة ما تخافه وتخشاه، حتى تخرد من عنق الزجاجة التي وضعه الآخر فيها'' ص 9

يبدأ الولي الطاهر بالتحديق في الزمن فلا يستطيع تقديم فهم أو تفسير لما يجري حوله، يعتمد على إيمانه، ودعاؤه الذي لا يفارقه ''يا خافي الألطاف نجنا مما نخاف''، إلى أن تأتيه بلارة وتدله على تغيير الدعاء، فيتوضأ يركع ويصلي ركعتين، فيبدأ في مناداة ربه : ''يا خافي الألطاف سلط علينا ما نخاف'' يستمر في رفع الدعاء إلى أن يحضره صوتا ملائكيا يبشره باستجابة الدعاء الذي ظل الرب ينتظره منذ سقوط الدولة العباسية، رغم ذلك لا يعره اهتماما ويواصل دعاؤه إلى أن يصرع ويسقط مغمى عليه. تحمله يدان ناعمتان وتجلسانه على عرشه في مقامه الزكي، فيتلقى خبرا على التلفاز مفاده أن ظاهرة غريبة تعم العالم العربي، ''فضوء الشمس اسود منذ لحظات ، ولم تنفع معه أية إنارة'' ص 33. أهو دعاء الولي الطاهر أعطى مفعوله بسرعة وسلط الله على عباده ما يخافونه؟ نظرا لهذا السواد ولأن شاشات التلفزة لا توضح شيئا فقد تم اختيار إسم ''عبد الرحيم فقراء'' ليتسمى به جميع المراسلين ربحا للوقت، مع الإشارة إلى أن لهذا الإسم بالذات إيحاء معينا يرتبط بالمثقف وبرجل الإعلام. وللتوضيح فقد بدأ النور الأسود يصعد من مناطق آبار النفط، حتى بلغ عنان السماء. لكن من أجل تهدئة النفوس فقد سارع أكثر من إمام عبر الإعلان في الهاتف المحمول على أن المسألة لا ترتبط بقيام الساعة لما لها من شروط أولية لم تتحقق بعد، أولها ظهور المسيح الدجال والمهدي المنتظر. 

تتحدث الرواية بشكل ساخر وبأسلوب أدبي تهكمي من هذه ''الواقعة'' التي اختارها كي يقدم أسلوب التفكير لدى الحركات الإسلامية وفقهائها وكيف يفتون ويتعاملون مع الوقائع اليومية بسذاجة وبلادة. كما لم يفوت الفرصة للسخرية من الرؤساء أيضا، فمثلا أبو عمار رفض الخروج من رام الله بحجة عدم ترك السلطة، وظل يردد : رئيسا. رئيسا. رئيسا. ص 38 ورئيس تونس الذي فسر الأمر على أنه دعابة بارتباطه مع الاحتفال السياحي الكبير الذي ستشهده الخضراء أثناء نفس الليلة. أما المغرب والجزائر فيعلو صوت الصوامع والرصاص خارج الجوامع، حيث يشير إلى رغبة البربر في الاعتراف بهم كمكون داخل البلدان المغاربية. 

يعرج على الخليج للحديث عن صفات الخليجي التي تصوره إنسانا جاهلا يسعى لأخذ حق الآخرين غارقا في الملذات والمفاتن. أما مصر فقد انقسمت الآراء ما بين العلمانيين الذين أطلق عليهم ''الطاهاويين'' نسبة لطه حسين وآخرين لم يحسموا صيغة الإسم بعد بين ''الكشكيون'' و ''الجلاليون'' نسبة لجلال الدين كشك. وسيرا على نفس المنوال الساخر يسترسل في الحديث عن كل بقاع العالم : أمريكا أوروبا وإسرائيل أيضا. 

إن المتمعن في الرواية يجد أنها بنيت على تصوير لحظتين زمنيتين/حدثين أساسيين، وهما : 1)- موجة الظلام والسواد التي لاحت بأفق المنطقة العربـية كاملة باستثناء حدود 48. 2)- عودة النور إلي المنطقة العربية وما رافقها من تغييرات، أبرزها  نهاية البترول من المنطقة العربـية. بالنسبة للحدث الأول تمت مناولة أهم ما طرحه الكاتب في قالب سخري من الرؤساء والحكومات والتنظيمات، وهو الأمر الذي لم يخرج عنه خلال مناولة العنصر الثاني المتمثل في  عودة النور وانقشاع الظلام الحالك، تلك العودة التي ستكشف على أن المنطقة العربية لا تخرج من سيء إلا للدخول في أسوأ منه. ويمكن لنا تلمس أهم سمات ذلك في ما يلي :  إعلان الخلافة بمصر، و حدوث محاولة انقلاب فاشلة بالجزائر من طرف منظمة العمي،  تأكيد خبر نهاية التبرول من الجزيرة العربية، وبالتالي سيفقد الشرق الأوسط قيمته الاستراتيجية، أما اليمن فمصيبتها فريدة من نوعها ''ها هي اليمن كلها، عن بكرة أبيها، تخرج لتعلن حزنها لهذا المصاب الجلل المتمثل في جفاف كل أوراق القات، فما أن عاد النور، واستبشر الخلق الذين هرعوا إلي الحقول، وكأنها أسراب نحل، مبكرة، حتي ارتفع التهليل والتكبير، ثم النواح والبكاء'' (ص 99) وفي الأراضي الفلسطينية المحتلة يعم الفرح وتنتشر الزغاريد والنواح ينبعث من كل بيت يهودي لأن إسرائيل انتهت وتحقق المستحيل ''فقد عم بسرعة البرق خبر حل الدولة العبرية، ورحيل جميع اليهود الوافدين، وإعطاء الخيار لليهود من أصل فلسطيني في البقاء أو الرحيل'' (ص 110). 

هكذا يعالج الطاهر وطار في هذه الرواية التي بنيت بقالب سخري تهكمي لم يسلم منه المواطن العادي ولا التنظيم الشيوعي (حالة الحزب بإيطاليا مثلا) ولا اليميني الإنتهازي ولا الرئيس المستبد، من خلال حدثين رئيسيين : الظلمة والنور، فيسقط بذلك الأقنعة على عقليات الخليج والعرب عموما المبنية على البترول كمصدر للظهور في الواجهة، ويتحداهم بفرضية حدوث نضب آباره. واستطاع أن يدمج جميع مواضيع الراهن العالمي سواء في المنطقة العربية أو غيرها بإثارته مواضيع الإرهاب والحركات الأمازيغية وحقوق الإنسان. كل ذلك في قالب نقدي ساخر وتهكمي يحيط بكل المفارقات التي يعج بها الوطن العربي، من خلال ما يمكن اعتباره نقدا للذات والآخر، وتجاوز ذلك إلي نقد مفهوم الوحدة العربية وأنصارها، ونقد بعض ''القيم'' الثقافية المترسخة في الوجدان العربي.

 

 

  • Last modified on الخميس, 22 تشرين1/أكتوير 2015 11:27
  • font size
المشرف العام

Fusce aliquam suscipit leo, nec tempor arcu tempus in. Suspendisse potenti. Vivamus posuere, turpis vitae egestas imperdiet, urna elit dictum.

Website: itopart.com/fanouss/

عن مجلة استهلال

عن مجلة استهلالالاستهلال مجلة عربية محكمة
تهتم بالسرد العربي و نقده
تصدر من مدينة فاس العاصمة العلمية للمملكة المغربية
ترعى منشورات في مجال السرديات