جمالية الواقعي والأسطوري بين الخلق والاحتذاء في فصوص الصبا

  يلجأ المبدع إلى الأسطورة-  باعتبارها أعلى مراحل الترميز- عندما يجد نفسه أكثر تصريحا بالواقع. وما تجب الإشارة إليه في هذا الباب هو أن الرمز يصبح ميتا إذا ما وجد المبدع تعبيرا يقدم له معنى على نحو أفضل.

فالتفكير الرمزي يأتي عند عجز المبدع على استقطاب المعنى الفسيح والمعبر. كما يمنحنا الرمز حيزا كبيرا لتأمل أشياء أخرى وراء النص لأنه ( الرمز ) - وقبل كل شيء - معنى خفي و إيحائي و لا نهائي، انه اللغة التي تنطلق عندما تنتهي لغة النص. لذلك نجد المبدع يحتمي بالأسطورة نظرا لشمولية أفكارها وعظمتها قصد تقديم بديل للعالم المتناقض، وبالتالي يؤكد الأديب من خلال لجوئه إليها (الأسطورة) استمرار الأصل في الفرع . ومن ثمة فالمبدع الذي يستطيع تحقيق الامتداد بالرجوع إلى الأصول " يصر على الديمومة والاستمرارية، ويثبت للتاريخ وللعالم أننا نستطيع أن نسحق الزهرة، ولكن أنى لنا القضاء على عطرها "   . وتبعا لذلك تذوب الأسطورة في الأدب وتتماهى معه، لكن سماتها المميزة تظل بارزة بوضوح في معالم النص الموظف لها.  
     وعندما يعيد القاص بشكل خاص والمبدع بشكل عام، خلق الأسطورة، فإنه يستجيب بشكل طبيعي لإعادة تشكيلها قصد إعادة كتابة التاريخ، أو اختراع تاريخ جديد، بالاعتماد على نفس الأبطال الذي يعملون فيها .وهذا يدل ، حسب كاسيرر، على " طواعية الأسطورة لتتقبل كل المضامين المحتملة، فالأساطير ترفض الخضوع إلى التوحيد من حيث الأفكار، وذلك لأن جميع الظواهر قابلة لأن تفسر أسطوريا "  .
    وبالتالي، عندما يستفيد الأدب من الأساطير، فإنه لا يهتم بالجانب العقدي الذي يؤكد صحة الأشياء أو عدمها، إضافة إلى أنه يتجاوز الاهتمام بالمضامين المرتبطة بالزمن والظروف البدائية التي تشكل قطب الأساطير، ليجعل مجال استفادته كامنا في أشكال الأسطورة وما تحمله هذه الأشكال من دلالة تتصل ، في الغالب، بقضايا الوجود والمصير البشريين.
      لقد استفادت القصة القصيرة المغربية من هذه الإمكانيات التي تتيحها الأسطورة، وان كان الأدب المغربي شأنه شأن الأدب العربي عامة  لم يعرف حضورا مكثفا للأسطورة، إلا أن هذا لا يمنعنا من الإشارة إلى الحضور الأسطوري في عدد لا يستهان به من الروايات والقصص والمسرحيات والأشعار. وفي هذا الباب، أورد تجربة قصصية متميزة سمتها الجمع بين المتنافر والتمنع عن الضبط والتحديد، وأقصد هنا تجربة القاص جمال بوطيب، الذي كتب في أكثر من جنس أدبي، من خلال نصوصه القصصية التي زاوج فيها بين القصيرة والقصيرة جدا ضمن مؤلفه الموسوم بــ "فصوص الصبا "  الجامع لباكورة أعماله السردية القصيرة.    
    إن اعتماد القاص جمال بوطيب على الأسطورة ضرب من التحايل الرامي إلى تحقيق التعدد على مستوى المعاني و الجمع بين المتناقضات؛ فتبدو أعماله جامعة بين التوظيف المباشر والظاهر لبعض

الأنماط الأسطورية كما هو الشأن في النص الأول قيد الدرس (أنتيجون والعازف ) . أو الركون لأنماط خفية تعلن عن نفسها من خلال الحمولة الرمزية التي تحيل عليها أحداث، أو شخوص أو زمكانية  النص، ونمثل لذلك -عند القاص- بالنص الثاني الذي نتغيا دراسته ( الحكاية تأبى أن تكتمل) .
      I  -  المزج بين الواقعي والأسطوري  في" أنتيجون والعازف"
     يظهر توجه القاص جمال بوطيب إلى التوسل بالأسطورة - بوصفها اقتصادا لغويا تخفي وراءها عددا لا حصر له من الدلالات- من عنوان النص ( أنتيجون والعازف ) الذي يحثنا، قبل قراءة النص، على الرجوع إلى معرفة تفاصيل قصة ( أنتيجون.( Antigone 
      تحكي الأساطير اليونانية  أن أنتيجون هي ابنة )أوديب(، قامت " بالاعتناء بوالدها الذي طرده ابناه )اتيوكل Etéocle ) و( بولينيس (Polynice  ووقفت إلى جانبه وعندما قتل أخوها بولينيس وحذر عمها الملك ( كريون Créon  ( من دفنه تحدت أمره ودفنت أخاها فحكم عليها بالموت وذلك بدفنها حية ، ففضلت أن تشنق نفسها، وعندما فعلت تملك اليأس حبيبها ابن الملك كريون  فانتحر، وعندما علمت زوجة كريون بانتحار ولدها تملكها الحزن واليأس فقتلت نفسها. ترمز أنتيجون إلى الفتاة التي ترتبط بشدة بوالدها وأخيها وعائلتها إلى درجة أنها ترفض أن تعيش حياتها وتؤسس عائلتها الخاصة". 
      يحاول القاص خلخلة ذهن القارئ بربط أنتيجون بعازف لم يأت ذكره في الأسطورة قط. وهذا ما يجعل النص أشبه بحيلة متتالية ما إن تفك لغزا فيها حتى يظهر آخر، لنتساءل هل أنتيجون هذه هي أنتيجون خاصة بالقاص جمال بوطيب أم أنها أنتيجون الأسطورة؟ وان كانتا حقا مختلفتين فما الرابط بينهما؟
     من خلال عتبة النص الأولى – العنوان – يبرز النزوع الأسطوري للكاتب الذي وسم نصه ب " أنتجون والعازف ". حيث عمد القاص بشكل مباشر من خلاله ( العنوان) إلى توظيف شخصية أسطورية سلفت الإشارة إلى قصتها. وسعيه إلى هذه المباشرة يُبرز رغبته في دفع المتلقي إلى البحث عن سمات التقارب بين أنتيجون الأسطورة بوصفها النص / الأصل، وبين نص " أنتيجون والعازف" الذي يشكل النص / المتولد عن النص الأسطورة ( الأصل)، ليجعلنا القاص في هذا البحث نسائل السارد عن التحولات التي أجراها على الأسطورة ومدى نجاحه في سحقها والحفاظ على سماتها داخل القصة؟
     ينطلق النص بتشييد علاقة بين " أنتيجون " و " العازف " هذه العلاقة التي أصر القاص إعلانها ووسم نصه بها. ترتبط بخيوط كثيرة أمتنها خيطا العشق والحزن ، فهما يشكلان تيمة أساسية في أغلب الأساطير، وأيضا في معظم النصوص الإبداعية تقريبا، فلا تخلو أسطورة أو عمل إبداعي منهما.
    يبرز الحزن في تلك العلاقة من خلال مقاومة أنتيجون لجور كريون ، وسعي العازف لتخليد هذا الحزن من خلال عزفه لها يقول السارد   : "خلف العمارة الكارتونية المنصوبة في أقصى اليمين جلست على حقيبة ملابس زفافها أعزف تقاسيم من مـقام الصــبا أوقع بها شهادة حـــــــزنــها الأزلي " .  

في حين يتجسد العشق في سعي العازف إلى مقاومة سلطة عيني أنتيجون التي تعزف حزنها على أوثار قلبه يــــــــقـــــــول الســــــــــــــارد :  " قولها كان كفيلا لكي تغدر بي أصابعي، وتنقر نقرات أشد حزنا في قلبي. كانت رفعت صوتها الواهن تشتكي أو تحكي أو تستنجد ترتفع نبضات قلبي ".
    وبين العشق و الحزن تتولد المقاومة التي طبعت بدورها معظم الأساطير. فتاريخ الأساطير وأحداثها مبنيان على الصراع و الحروب والمقاومة.   في النص/ الأسطورة، تقاوم أنتيجون عمها كريون. و هو نفس الإطار الذي وظفه القاص في نصه.
   و في النص / القصة، يقاوم العازف عيني أنتيجون، معترفا لها بعماء بصيرته. يقول : " كانت تقاوم سلطة كريون وكنت أقاوم سلطة عينيها ، وبيني وبين نفسي أعترف سرا وقهرا أنني حتى اللحظة كنت أعمى البصر والبصيرة..".   و بين المقاومتين تحضر الأسطورة. فالقاص جعل أنتيجون امتدادا لزمنين:
الأول : أسطوري تقف فيه أمام السلطة و الطغيان الذين يجسدهما كريون.
الثاني: معاصر يقف فيه الطرفان- أنتيجون و العازف- على شريط العشق.
    و بالتالي، فالقاص مزج بين الزمنين في زمن واحد هو زمن ركحي، ليخلق نوعا من الامتداد لأسطورة اندثرت منذ سنين، لكنها بقيت حية تنبض في النص عن طريق استعادة القاص لبعض تفاصيلها، وشخوصها.
    تكمن جمالية توظيف القاص للأسطورة في كونه لم ينقل لنا أحداثها مباشرة بل نقلها عبر وسيط آخر هو المسرح. فالقارئ يتوقع للوهلة الأولى أن ينحو القاص منحى التقريرية في إعادة إنتاج الأسطورة داخل نصه ، لكن جمال بوطيب يخيب أفق انتظاره ( القارئ) عبر استرجاعه ( القاص) لها (الأسطورة) من خلال المسرح، والذي اعتبر وما يزال وعاء يحتوي أساطير كثيرة و يجسدها.نجد أن النص و انطلاقا من العازف وحد بين زمنين؛ زمن الأسطورة كما كانت وزمن المسرحية كما أرادها القاص أن تكون. ليحيي الأسطورة في  مسرحيته /النص عن طريق إحياء شخوصها، وبعثهم في شخوص أُخر(بشرى/حكيمة/مريم/جمعة).
    إن ما يمكن ملاحظته، إضافة إلى ما سلف، هو أن القاص كان مقتصدا كثيرا في توظيفه للرموز الأسطورية الموظفة في متنه، و مرد ذلك إلى أنه يروم الاستفادة من لانهائية دلالات هذه الرموز، و بالتالي عدم تصيير نصه عقيما من الدلالات؛ فالتوضيح هو نوع من التوجيه. لذلك كان الاقتصار على ذكر اسم شخصية أسطورية فقط، كفيلا بشحن النص بدلالات عديدة تدفع بالمتلقي إلى ملء الفراغات قصد فهم مقاصد النص كاملة.
1-    الأنثى الأسطورة في نص " أنتيجون و العازف"
      كان للأنثى حظ كبير و مكانة هامة في الأساطير القديمة، حيث اعتبرت هذه الأخيرة حقلا ثريا لدراسة وضعية الأنثى. لذلك نجدها ( الأنثى ) جُسدت بصورمختلفة و متعددة في العديد من الملاحم و النصوص، ومنها النص – متن  الاشتغال- الذي عمد فيه القاص إلى الاحتفاء بشخصيات أنثوية أسطورية من خلال رؤية ذكورية يجسدها العازف الذي يحكي الأنثى/القصــة و  ألمها، و هي تحكي عماه و توثر الفضح تقول: " هواه فضحني ، لو تعرى البيوت وتتخلص من لباسها الإسمنتي، لوترفعوا العمارة تروا عجبا، لو ... طاوعتها نزيلتها  بالمقبرة، رفعتها العمارة الكارتونية ، أحسست أنني عار بالفعل أمام الجميع ".
    تتوزع الأنثى كما جسدها القاص ووظفها إلى:
أنثى قوية: تجسدها أنتيجون في المتن الأسطوري،  وتتجلى قوتها في وقوفها أمام تيار الطغيان الجارف كريون في سبيل دفن أخيها.
 أنثى ضعيفة : وتجسدها كل من الكترا وايو وهما تنتظران انطلاق حركة  الزمن الأنتيجوني، وتكفكفان الدمع الدموي المنساب كما جاء على لسان السارد في النص.
    وبين القوة والضعف تتبدى أنتيجون القاص التي تستمد قوتها من العازف وتبدد ضعفها من خلاله أيضا. حيث يحيل العازف، بشكل من الأشكال، على أسطورة  ( أورفي Orphée ) " هذا الإنسان المزود بالخوارق من حيث أن أنغام نايه تؤثر على المخلوقات وعلى الطبيعة فتجتمع حوله حيوانات القفر، وتغير الأنهار مجاريها، ومن حيث أنه يستطيع أن يرحل إلى العالم الآخر، ويقطع الأهوال وينجح في استرداد حبيبته – أوريديس – من الإله  ديميتي" .
    وبذلك يمثل العازف، شأنه شأن أورفي، النموذج الإنساني المنظور إليه برؤية أسطورية حيث يتحقق ما هو مستحيل التحقق في الواقع. وبذلك، غدت أسطورة أورفي ( العازف ) تعبيرا مراوغا عن انتصار الإنسان أو عن عجزه أمام الطبيعة وقوتها . فالعازف في النص لم يستطع تخليص محبوبته ولا تخليص نفسه من  عشقها ، ولا أن ينتصر على جند كريون، لكنه استطاع أسر الجمهور بنقراته أو كلماته أو صوته ... لم يكن يدري بما .
الأسطورة والواقع
     يتحدد تحقق الأسطورة وواقعيتها بشكل ضمني داخل عالمها اللا واقعي، لأنها تمثل شيئا عمليا ومحسوسا للإنسان البدائي، نظرا لكونها استطاعت تقديم مسوغات وبراهين تصالحه مع محيطه، ودفعه(الإنسان)  لمعرف القوانين الكفيلة بإخضاع هذا الواقع. لذلك نجد أن الأسطورة اعتبرت عند البعض "موازية للعلم من حيث منهجها ومنطقها الداخليان" . فهي لم تكن مادة فارغة ولم تكن لاعقلانية، كما نعتها آخرون عندما ألبسوها ثوب السلبية وقابلوها بكل ما هو خيالي ووهمي.
   وما تنبغي الإشارة إليه كنوع من التمييز بين العلم والأسطورة، هو أن الأول يروم جعل الإنسان يتصالح مع الواقع، عن طريق تغيير هذا الواقع، في حين أن الثانية تحاول تكييف مشاعر الإنسان ليتلاءم مع الواقع. ومنه، فالأسطورة ضمنيا تحمل ما هو عقلاني وما هو لاعقلاني . وبالتالي، نتساءل عن كيفية مزاوجة القاص بين المعطى العقلاني والمعطى اللاعقلاني في نصه؟
    إن استلهام القاص لشخصيات أسطورية وتوظيفها توظيفا فنيا داخل نصه، هو محاولة للاستفادة من شكل الأسطورة ومضمونها، حيث تشكل كل من أنتيجون و إيو و الكترا وكريون أساطير من حيث الشكل أي ما هو لاعقلاني، إلا أن دلالاتها الضمنية هي أكثر عقلانية  وواقعية، لكونها تعبر عن صراع أزلي بين الإنسان وواقعه، هذا الواقع الذي يضم مختلف الأشكال السلطوية والممثلة للعذاب الإنساني.
    وبذلك شكلت الأسطورة مادة لينة ومطواعة وسهلة التشكيل من قبل المبدع، لأنها تمنحه قدرا من التكثيف والترميز الذين يساعدانه على التعبير بكل حرية . وبالتالي فركون أنتيجون إلى المقاومة على عدة جبهات ( الطغيان / العشق / الحزن ...)، جعلها تصير رمزا أنثويا خالصا للارتباط الأسري،

ورمزا للتحدي والصمود، والى جانبها نجد الكترا وإيو اللتين قاومتا بدورهما أشكالا وألوانا من الطغيان.
    يقر جمال بوطيب بتحول الأسطوري إلى الحقيقي، ويزاوج بين الواقعي والأسطوري من خلال ذكره للكغاط الذي يمثل الواقعي في النص بوصفه أحد رموز المسرح المغربي إلى جانب شخصيات أسطورية، ليحقق بذلك القاص نوعا من التناسق والانسجام في تقديم شخوصه وجعلها تحيى في زمن النص، ليوهم القاص القارئ تارة بحقيقة وواقعية الشخوص وتارة أخرى يوهمه  بأسطوريتها، يقول السارد :  "لا تلوموني يا سادة. وزري و وزرها يتحمله الكغاط جمعنا في أساطير معاصرة. كان يحسب الأمر أسطورة لا غير. أسطورة لا ترقى إلى حقيقة . وها أنتم ترون كيف أنها حقيقة تأسطرت ... "، حقيقة بغداد التي كتبها الكغاط ، ووحدها القاص جمال بوطيب مع أسطورة أنتيجون. ليكون الرابط بينهما (أي بين بغداد وأنتيجون) هو رفض الظلم والجور فبغداد أرادت جمع أبنائها في ظل العدالة والسلام، وكذلك أنتيجون أرادت العيش مع عائلتها بسلام. لكن كريون- الكائن في كل زمان و مكان-  أقبر بغداد وأنتيجون وكل إنسان قادر على الرفض. لنلاحظ أن القاص انطلق من الأسطورة ليحكي عن حقيقة، فوجد نفسه يعود من الحقيقة إلى الأسطورة. لأن الحقيقة والأسطورة، وإن ذهب البعض إلى الجزم بعدم توافقهما، لا يمكننا بأي شكل من الأشكال التشكيك في تلازمهما، فما كان حقيقيا عند قوم من الأقوام صار أسطوريا في عصرنا، و ما هو حقيقي عندنا ( محمد الكغاط ، احد رموز المسرح المغربي مثلا) سيصير بعد زمن أسطوريا عند البعض . و هكذا نظل نتأرجح بين الأسطورة و الحقيقة إلى ما لانهاية.
    استهل جمال بوطيب نصه بأسطورة، لنكتشف فيما بعد أن هذه الأسطورة ما هي إلا حقيقة تأسطرت، لنجد أنفسنا معه ( القاص ) أمام انتقال من الأسطوري إلى الواقعي أو بعبارة أخرى نقول إن المبدع زجنا في عالم واقعي مؤثث بجمالية أسطورية ، يقول السارد:  " تطوع جند " كريون" ونفذوا المهمة.وبينما كان الجمهور يستوي في الصفوف ليصلي عليها أوثق العسكر " أنتيجون " والراوي والعازف، و قادوهم عبر سرداب مظلم وبارد، ومنه إلى سيارة  " الميتسيبيشي"، ومنها إلى اللامكان."    
    هذا المزج بين عالم الأسطورة، الممثلة على خشبة المسرح و عالم الواقع الذي يجسده الجمهور،هو نوع من الإقرار بتلازم هذين المكونين. فما هو عقلاني يتداخل و يتلاحم مع ما ليس عقلانيا. و بالتالي، فتوظيف القاص لها ( الأسطورة ) كان لغاية أساسية هي التعبير عن الواقع المعاصر.
    و في نهاية النص، كما في مستهله، بقيت الأسطورة حاضرة و مفتوحة على اللانهائي من خلال تساؤل السارد - في نهاية النص- عن حقيقة مصدر منبع نهري دجلة والفرات هل هي دموع أنتيجون والعازف؟ مما يعني أن الأسطورة مستمرة ما إن تنتهي واحدة حتى تنطلق أخرى. وبالتالي فتساؤله هو فتح لتعليلات وأجوبة متعددة، تساهم بشكل من الأشكال في إنتاج أساطير لا حد لها، موضوعها هو الحديث عن مصدر النهرين.
II - فردانية إنتاج الأسطورة في " الحكاية تأبى أن تكتمل"
     انطلاقا مما سبق ذكره في قراءة النص السابق، حول كون الأسطورة حكاية قديمة مستمرة في الزمن وغير منتهية. نجد أن القاص يؤكد نفس الأمر من خلال عنوان قصته : " الحكاية تأبى أن تكتمل

"  . وعدم الاكتمال هنا يفيد اللانهائي، وعجز راوي الحكاية على إنهائها. وسبب ذلك هو تدخل الرواة الذي صير الحقيقي خياليا. لنجد أن التوازي بين الأسطوري والقصصي ينطلق أيضا في هذا النص، كما في سالفه، من العنوان. فعدم انتهاء الحكاية وانفتاحها على الاستمرار واللانهائي، هو ديدن مختلف الأساطير التي لا تعرف حدا. وكذلك يتحدد التوازي بينهما في امتزاج الخيالي بالحقيقي، وغياب حدود الفصل بينهما داخل القصة و كذلك داخل الأسطورة.
     من هذا المنطلق، يزجنا القاص في فضائه الحكائي المتداخل بشكل كبير مع الأسطورة. فانطلاقا مما ورد في الفصل الأول، وبخاصة في الشق المتعلق بالتمييز بين الأسطورة والحكاية وتماثلهما، نجد جمال بوطيب آثر استخدام الحكاية لما تحيل عليه من تشعب وتعدد، يجمع بين الشعبي والرسمي. بدلا من الأسطورة التي تحيل على المقدس من الحكايات. لنجد أن لفظة الحكاية هنا أكثر عمومية وفيها نجد حضور الأسطورة. 
    ينطلق التداخل مع الأسطورة- أيضا- من خلال استهلال القاص لنصه بعبارة " قال الراوي"، وفي هذا الاستهلال إشارة هامة تؤكد هذا التوازي بين النص والأسطورة، حيث أن هذه الأخيرة لا يعرف مؤلفها شأنها في ذلك شأن حكاية النص الذي نقلها لنا القاص على لسان عدد من الرواة، وسيؤكد هذا الطرح قوله: " الحكايات كان أغلبها خياليا، وقد بلغ الأمر حدا تحولت معه حكايات حقيقية إلى خيالية بفعل الزمن وتدخل الرواة ". ومن خلال هذا المقطع أيضا، يمكننا استشفاف نوع من التماثل والمتمثل في الزمن والمتسم بدوره بالقدم . وبالتالي، فكل هذه الإشارات، وإن بدت بسيطة، فهي في عمقها دلالات صارخة تبرز بوضوح نزوع القاص إلى خلق نوع من التوازي بين نصه وبين الأساطير عن طريق استحضارها. وما يمكن قوله في هذا الباب، أن هذا الاستحضار هو بحث عن الأنماط العليا التي تيسر التوحيد والتكامل في تجربتنا الأدبية، وتبرز هذه الأنماط العليا في كتابات القاص في شكل أنساق أو مواضيع مأخوذة عن الميثولوجية أو الأعمال الأدبية القديمة والتي يمكنها أن تستحضر في الذهن قيما ثقافية وتراثية. حيث تنطلق هذه القيم من  خلال حكاية الحية موضوع النص القصصي . و " الحية من الحيوانات التي مسخها الله عن شكلها النبيل الأصلي، فقد كانت في صورة جمل فعاقبها الله بمسخها حتى لاطها في الأرض، ومما يؤكد هذه اللعنة التي تثقل مصير الحية، أنها انفردت من بين دواب الأرض جميعا بأن سعت إلى تسعير النار التي ألقي فيها النبي – إبراهيم عليه السلام – بينما طفقت سائر دواب الأرض تطفئ عنه"   . لذلك جاءت بداية الحكاية مشؤومة، يقول السارد: " كان النهار من بدايته مشؤوما، فقد بدت السماء بأكثر من لون و ووجه وتمردت الدواب وتشاجر أكثر من اثنين".
      إن تمرد الدواب هنا فيه نوع من التماثل مع ما قيل عن أسباب مسخ الحية، وبالتالي هو شكل من أشكال الرفض. رفض لحرق نبي الله والذي يجسد القدسي ، وكذلك رفض لما هو مدنس على مستوى الواقع.
    مما سلف، يتضح أن هذا النص يقوم على ثنائية: مقدس / مدنس. وبالتالي يقوم على الخلود والفناء، فالقاص أحكم خيوط هذه الثنائيات وجعلها في تكامل تام :
- المقدس ـــــــــــــ الخلود .
- المدنس ــــــــــــــ الفناء.
    وما يستتبع  هذا الطرح أن المقدس هو معادل للقوة. ونجد هذا الأمر حاضرا عند الإنسان القديم الذي كان ميالا إلى العيش بأكثر ما يمكنه في المقدس بوصفه مثالا للقوة والحقيقة بامتياز، ومنه فالمقدس عنده مشبع بالكينونة والخلود  الذي كان مطمحا للأبطال الأسطوريين، وكذلك هو مطمح بطل قصتنا – قيد
الدرس- المجذوب الذي يسعى للخلود وميراث القرية ومن عليها ، يقول
السارد :" انه مجنون ويقول هو عن نفسه : انه الشخص الذي سيرث القرية ومن عليها "
أسطرة شخصيات واقعية
    يشكل "ف" شخصية مركبة تجمع بين البساطة والتعقيد، وكذا بين الواقعي والأسطوري. مما يضفي عليها أهمية كبرى تتبدى من خلال تركيز القاص عليها  ( الشخصية )، ويكفي أن يوقف الرواي حكايته للحديث عن " ف" لكي تبرز أهميته باعتباره فاعلا أساسيا في الحدث القصصي، وبالتالي في تناميه. وبالوقوف عند معالم هذه الشخصية المركزية وبنيتها ، تتجلى بساطتها وواقعيتها في انتمائها إلى طبقة اجتماعية بسيطة، وكذا في كون "ف" شخص غير سوي، فهو وعلى حد وصف الرواي له ؛ مجنون ومجذوب. وهذه البساطة هي التي أضفت عليه صفة التعقيد والأسطورية. فالقاص سعى للتحرر من التقليد بتجاوز الاعتماد على بطل يتسم بصفات خارقة لإضفاء التشويق على نصه، إلى اعتماد بطل من نوع آخر. وبالتالي، قام القاص بخرق العادة في توظيف بطله، ومن المعلوم أن خرق العادة ،الذي يكون على جملة من الأصعدة ( الإنسان ، الحيوان ، الأماكن ، الأشياء...)، هو ميسم الأساطير والحكايات الخرافية التي نجد فيها أشكالا وألوانا من الخرق والمتجسد في أشياء كثيرة أبرزها  :
- تضخم الحجم وغرابته
- تضخم القدرات
- تعذر الاستفادة من الشيء أو السيطرة عليه ( حيوان ، جماد ...).
     إن هذا التضخم في الحجم وغرابته يذهب بالأساطير إلى رسم مخلوقات غير موجودة ( حيوانات ضخمة ، إنسان عملاق ، أحجار بقوة خارقة ....). لكن القاص آثر خرق العادة في نصه بطريقته ، فشيد بذلك أسطورته من خلال الاعتماد على مخلوقات ضئيلة وبقدرات هائلة ( " ف " والأفعى ) وما يؤكد أن "ف" يملك قوى تفوق نظراءه من البشر،هو أنهم لم يستطيعوا حتى الاقتراب من الأفعى، في حين هاجمها هو ببسالة ومن دون تردد. لكن الأفعى التي قلل " ف" من قيمتها، وأكد أن ضربة واحدة تكفي للتخلص منها، لم يستطع السيطرة عليها، نظرا لقدراتها اللا متناهية والمتمثلة في تزايد عدد رؤوسها بتزايد عدد ضربات " ف " لها. ومن خلال هذه الصورة يتضح أن الضرب أو العصا كانا سببا في منح حياة جديدة للأفعى، وبالتالي تحيلنا هذه القصة بشكل من الأشكال على قصة سيدنا موسى الذي رمى عصاه بأمر من الله، فإذا هي حية ضخمة تسعى. وما يزيد من تأكيد هذا الطرح و توجيهنا

إليه هو تسمية القاص لبطله " ف" والذي يشكل طرفا من أطراف الصراع . وبذلك يحيلنا " ف" على أول حرف من اسم فرعون، الذي ادعى القوة والخلود .
     ويستتبع ذلك أن هذه الإشارة وان كانت مضمرة، هي إحالة إلى صراع القدسي مع المدنس في هذا النص، وهو ما ذهب إليه كلود ليفي ستروس الذي يرى أن " الأسطورة وحدة دلالية، تمزج بين الأضداد دون الإفضاء إلى حلها"  و مفاد هذا القول أن الأسطورة تجسد صراعا بين المتناقضات لا ينتهي أو يحل إلا بسيطرة أحدهما على الآخر، وإلا توقفت الحركة.  والصراع المجسد في النص سينتهي في الآخر بسيادة وأزلية المقدس. حيث تحولت كل الأشياء الممقوتة وغير المرغوب فيها إلى أشياء مرغوب فيها؛ أي تحول المدنس إلى مقدس. وغير" ف " بعد ذلك رأيه في خلوده وفي تقليله من شأن الأفعى التي لم يستطع السيطرة عليها، يقول السارد :  "... وحين أصبحت بسبع رؤوس، ألقى (ف)الرفش. وخرج يهذي ويقول :
 - أنا والحية اللذان سنرث القرية ومن عليها.
قال واحد ممن زاروا القرية بعد الحادث : لقد عم الخير القرية مرة واحدة. "وهذا الخير هو ما جعل سكان القرية يشيدون للأفعى قبرا في الزريبة التي صارت مكانا مقدسا ومحجا للناس في المناسبات ، بعد أن كانت مكانا مدنسا يكره الناس دخوله. وإقبالهم على هذا الفعل راجع بالأساس إلى إيمانهم بأن هذه الأفعى هي سبب التحول وسبب كل شيء جميل حصل لهم، لذلك قدسوها ونسجوا حولها الحكايات والأساطير.
     بذلك، يكون هذا النص هو انطلاق أسطورة شيدها جمال بوطيب من خياله وبالاعتماد على مكونات واقعه العادي، ليصير بذلك العادي خارقا والواقعي أسطوريا. وبالتالي بقيت حكايته متعددة ومنفتحة على كثرة الروايات التي تتغير بتغير المقامات والرواة، والسبب في ذلك هو أن حمولتها الخارقة وغير المعتادة هي التي شكلت دفقها الأسطوري اللامحدود . وتأسيسا عليه جعل الحكاية تأبى أن تكتمل... لأن في اكتمالها موت لها . فالأسطورة " ليست نصا مغلقا ثابتا رغم سمته التكرارية بل هي قصة محكوم عليها بأن لا نهاية لها أي لا نهاية لتحولها، نظريا على الأقل، طالما بقيت تتناقل مشافهة" .
وكما سلفت الإشارة في الفصل السابق ، الأسطورة حية وستظل متجددة بمرور الزمن.         
عود على بدء
    يبحث القاص جمال بوطيب من خلال نصه الأول " أنتيجون والعازف " عن سبل التقارب بين الأسطوري والواقعي، عبر تشييد علاقات بين شخصيات أسطورية وأخرى واقعية، مبتعدا كل البعد عن المباشرة في تقديم أحداث الأسطورة الأصل، وبذلك تكمن الجمالية التي تجعل المتلقي لا يميز بين النص القصصي والنص الأسطوري. هذا بالإضافة إلى اعتماده على الأسطورة كشكل من أشكال الاقتصاد الدلالي، إذ يحيل على رموز دون تسميتها أو الإطناب في شرحها.
    و يستتبع ذلك، أن القاص يقر – وإن بشكل ضمني من خلال نصه – بتلازم المكونين الواقعي والأسطوري، الأمر الذي دفعه إلى اعتمادها (الأسطورة ) كسبيل للتعبير عن الواقع المعاصر وقضاياه. حيث عمل جمال بوطيب على أخذ تفاصيل وأحداث وشخوص وقلصها في رموز تحيل على دلالات حاضرة يتردد صداها في مجتمعنا، ليحاول نقدها أو تزكيتها. وبالتالي وظف الإطار الدلالي و الإيحائي للأسطورة، لإنتاج نص منفتح تتفاعل فيه الأشكال التراثية مع الحديثة تفاعلا بناء لا يلغي فيه أحدهما الآخر.
  وما نجده في نص " أنتيجون والعازف " يغيب في نص " الحكاية تأبى
أن تكتمل " الذي سعى فيه القاص إلى إنتاج أسطورته الشخصية دون اللجوء إلى معطيات غربية. فعمد إلى خلق نوع من التوازي بين عالمه النصي وعالم أسطوري يقوم أساسا على خرق العادة وتأكيد الصراع الأبدي بين المقدس والمدنس، وبالتالي إبراز الأسطورة على أنها صراع مستمر بين المتناقضات، وهو نفس الأساس الذي شيد عليه مبدعو المبحث الثاني نصوصهم، وعلى رأسهم محمد فري من خلال نصه " كيوبيد والشيطان "، إذ سعى إلى إبراز أزلية تنافر الخير والشر من خلال نموذجين أسطوريين هما ( كيوبيد والشيطان ).
    تبقى الأسطورة، بذلك ، متنا مهما لإظهار تناقضات الحياة والتمثيل بها ( الأسطورة ) على ما يعيشه الإنسان من صراع ومفارقة من خلال الموازاة بين الأسطورة وواقعنا . 


  • Last modified on الخميس, 22 تشرين1/أكتوير 2015 12:02
  • font size
المشرف العام

Fusce aliquam suscipit leo, nec tempor arcu tempus in. Suspendisse potenti. Vivamus posuere, turpis vitae egestas imperdiet, urna elit dictum.

Website: itopart.com/fanouss/

عن مجلة استهلال

عن مجلة استهلالالاستهلال مجلة عربية محكمة
تهتم بالسرد العربي و نقده
تصدر من مدينة فاس العاصمة العلمية للمملكة المغربية
ترعى منشورات في مجال السرديات